مظاهرات السودان: كيف غنى السودانيون للثورة؟

أزهر حراك السودان، الذي أطاح بحكم البشير، باقة فنية تجلت في هتافات وأغان سياسية أعادت للأذهان أجواء القصائد الثورية القديمة التي تغنى بها أشهر مطربي السودان. فما أبرز تلك القصائد والأغاني؟

"تسقط بس" من شعار إلى أغنية

"تسقط بس". بقدر ما كان هذا الشعار بسيطا إلا أنه ترجم مطالب السودانيين وعبر عن أحلامهم بعهد جديد يرفل بالحرية.

شق الهتاف طريقه ضمن مسار الأغنية الثورية فظهر في قالب أغان قصيرة تلهب حماس المحتجين في الميادين وتزين محافل الأفراح .

كما كان الشعار جسرا يربط السودانيين في الداخل بالمغتربين.

ولم تتوقع مروة جبريل، الناشطة السودانية المقيمة في لندن، أن يتحول هتافها إلى نشيد للاحتجاجات في بلدها الأم.

فقد أدخلت على شعار "تسقط بس" لحنا جميلا وحولته إلى هتاف طويل "حكومة الجوع .. تسقط بس، حكومة العسكر .. وتسقط تسقط بس ... وتسقط تسقط يا كيزان".

وتروي مروة لبي بي سي قصة هذا الشعار، فترجعه إلى محادثة جرت بين شاب وحبيبته عبر تطبيق واتسآب مع بداية الحراك في ديسمبر كانون الأول الماضي.

وبحسب ما قالته مروة، فإن الشاب ضرب موعدا لخطيبته لكن الظروف الأمنية وانقطاع الإنترنت حالا دون لقائهما فبعث لها رسالة مفادها: "حكومة تمنعني أشوفك تسقط بس".

ونشر الشاب المحادثة في موقع دردشة، واختصرها الناس في هاشتاغ لا يزال يتصدر مواقع التواصل لحد اليوم.

وترى مروة جبريل أن هذا الشعار الملحن عبر بشكل مجازيا عن صفات الشعب السوداني المعروف بعفويته في التعبير عن رأيه.

وتضيف: "لم ألحن حقيقة هذا الشعار لكني استنبطته كغيري من السودانيين من القصائد والأغاني الفلكلورية التي تعتمد على مغن رئيسي و 'شيالين ' لترديد مطلع الأغنية".

ولم تخف مروة فرحتها بالانتشار الواسع الذي حققته الأغاني السودانية في باقي الدول العربية، إذ ترى أن الحراك ومواقع التواصل ساهما في التعريف بالتراث الموسيقي في بلدها بعدما ظل لعقود رهين اعتبارات سياسية.

ثورة تشمل الجميع

وشهد الحراك في بدايته ولادة أعمال ثورية جديدة وأنماط موسيقية مختلفة، من بينها أغنية الراب "نحن مرقنا ضد الناس السرقوا عرقنا".

اكتسبت هذه الأغنية شهرة واسعة في أوساط الشباب.

كما لم تتخلف الفنانة السودانية نانسي عجاج عن مشاركة الناس همومهم إذ حجزت مكانها باكرا بين المحتجين بأغنية "لو خفنا راح".

ونعت الأغنية الأطفال الذين لقوا حتفهم غرقا في النيل وهم في طريقهم مدارسهم.

ثم قدمت الأغنية صورة عامة عن الوضع في السودان بعد سنوات من انفصال الجنوب وحالة الاحتقان في الشارع.

وتردد المغنية: "النيل أصيل معنى وصفات فضح السكات ... عمت القلوب الفي الشمال لما الجنوب خلانا فات !! لو خوفنا راح وطريقنا مرصوف بالثبات ومشينا للحرية صاح".

ولم يغب الأطفال عن المشهد، فقدموا توليفة تتناغم فيها اللغة العربية بالموسيقى الإفريقية أو النوبية.

"أصبح الصبح" ... حنين للماضي

كما نفض الحراك الغبار عن عدد من القصائد الثورية القديمة، كقصيدة "أصبح الصبح" لصاحبها الشاعر محمد الفيتوري وحولها الموسيقار محمد وردي إلى أغنية.

وتقول القصيدة: "أصبح الصبح ولا السجن ولا السجان باق، وإذا الفجر جناحان يرفان عليك وإذا الحزن الذي كحل هاتيك المآقي والذي شد وثاقا لوثاق".

تعد أغنية "أصبح الصبح" باكورة أغاني "ثورة أكتوبر 1964" التي أطاحت بحكومة الجنرال إبراهيم عبود.

كانت بمثابة ملحمة جسدت تكاتف الشعب السوداني بمختلف أعراقه وأديانه لإسقاط حكم الجنرال في توجه يخالف ما كان سائدا في المنطقة التي شهدت وقتها ثورات قادها الجيش.

اندلعت "ثورة أكتوبر" احتجاجا على فض قوات الأمن السودانية ندوة بعنوان "المعالجة الدستورية لمشكلة جنوب السودان" انتقد خلالها طلاب جامعة الخرطوم سياسات الحكومة في جنوب السودان.

وانتهت باعتقال العشرات وسقوط الكثيرين بين جريح وقتيل.

ورغم أن "ثورة أكتوبر" لم تحقق مطلبها الأساسي المتمثل في حل أزمة الجنوب الذي انفصل في 2011، إلا أن مبادئها وشعاراتها لا تزال راسخة في الوجدان الشعبي السوداني، وذلك ما أثبته الحراك الأخير.

حبوبتي كنداكة.. صوت المرأة ثورة

قبل نحو أسبوعين جذبت الناشطة السودانية آلاء صلاح أنظار العالم، إذ رسمت حالة ثورية متكاملة العناصر ليس فقط بسبب دلالة ثوبها الأبيض التقليدي أو بفضل حركاتها الباعثة على القوة بل أيضا بفضل كلمات قصيدة "حبوبتي كنداكة" التي صورتها كملكة عائدة من غياهب التاريخ لتقود موكب المحتجين.

ويعتقد كثيرون أن كلمات قصيدة "حبوبتي كنداكة" تستعرض مراحل من حكم البشير إلا أنه لا يعرف تاريخ كتابتها.

وقد ردد السودانيون القصيدة إبان ثورات الربيع العربي 2011، حين خرج آلاف منهم مطالبين برحيل النظام، إلا أنها لم تلق انتشارا واسعا في تلك الفترة.

وتنوه القصيدة بدور وتاريخ المرأة السودانية، إذ تصفها بـ "الكنداكة" وهو لقب أطلق على الملكات النوبيات قديما.

وتقول كلمات القصيدة: "الدين بيقول الزول .. إن شاف غلط منكر .. ما بينكتم يسكت .. يبقى الغلط ستين .. كوز السجم بيغرف .. نحن اللي سقينا النيل .. من دمنا الفاير .. ما بننكتم نسكت .. في وش عميل جاير .. الطلقة ما بتحرق .. بيحرق سكات الزول حبوبتي كندانة".

ولكن كيف تغيرت الأغنية الثورية؟

بدأت الأغنية الثورية في السودان تتبلور مع بداية ستينيات القرن الماضي، بعد أن ابتعدت عن الطابع التقليدي العاطفي الذي تميز به الخطاب الغنائي في مرحلة قبل وبعد الاستقلال.

ويرجع الشاعر سيد أحمد الحردلو الانطلاقة الحقيقية للأغنية السياسية في السودان إلى "ثورة أكتوبر 1964".

ويقول سيد أحمد لبي بي سي: "ظهرت في تلك الفترة أغان وقصائد تنادي بالحرية وتندد بالضيم الاجتماعي، ومن بينها قصائد "الأكتوبريات" التي نظمها الشاعر محمد المكي وخلدها الفنان الشهير محمد وردي في عدة أغاني".

ولعبت الحركات اليسارية دورا كبيرا في تطوير الأغنية الثورية، إذ تفطنت لأهميتها في حشد الجماهير، فأسهمت في إخراج الأغنية الشعبية السودانية من مرحلة التعبير عن روحانيات الفرد إلى التعبير عن طموحات الشعب.

وفي هذا السياق، يضيف سيد أحمد: "ظهرت بصمة الحركات اليسارية في الأغنية الثورية بالتوازي مع 'انتفاضة أبريل 1985 '، إذ عرفت تلك الفترة صعود العديد من الشعراء مثل محجوب شريف وحميد".

وكانت أغنية "السودان الوطن الواحد" نتاجا لتعاون بين الموسيقار محمد الأمين والشاعر محجوب شريف عشية ثورة مارس / أبريل 1985 التي أطاحت بسلطة المشير جعفر محمد النميري.

واشتهر شريف، الذي اعتقل عدة مرات في عهدي نميري والبشير، بنظم قصائد بالعامية تخاطب العمال والفلاحين.

ومن أشهر قصائده: "يا والدة يا مريم، السنبلاية، الحرامي، الغويشايه، مساجينك، صباح الخير مساء النور، أوعك تخاف".

ورغم ثرائها وتنوعها، يقول نشطاء إن الأغاني الملتزمة أو الثورية لم تعد تؤدي دورها في ظل اكتساح الأغنية التجارية الشبابية.

في المقابل، يرى الشاعر سيد أحمد أن القصيدة الثورية ازدادت وهجا في الحراك الأخير مضيفا بأنها "تخرج اليوم من رحم الشارع بعد أن كانت منبرية تنقل إلى العامة عن طريق المغنين".

ويتابع أن الشباب اليوم اختصروا مطالب الناس في شعارات أو مقاطع قصيرة ممزوجة بإيقاعات ذات طابع شعري ارتجالي.

ويختم قائلا: "الأغنية الثورية لن تموت لأنها صوت المقموعين وسلاح المهمشين المتطلعين إلى مستقبل أفضل".

مواضيع ذات صلة