فيروس كورونا: هل تٌخفف إجراءات الإغلاق بناء على دراسات طبية أم اقتصادية؟

طال الإغلاق المفروض على الناس حول العالم لمكافحة انتشار سريع لفيروس كورونا حتى بدت البيوت وكأنها سجون صغيرة داخل أسوار بلدان أغلقت حدودها بالكامل.

لكن الوضع بدأ يتغير تدريجيا مع إعلان دول كثيرة تراجع معدلات انتشار الوباء وانحساره، وإعلان أخرى السيطرة عليه بما يسمح لها بالتمهيد لعودة الحياة إلى طبيعتها، ولو بحذر.

مصدر الصورة Getty Images

ينتظر كل شخص الخروج من دائرة الانعزال والخوف والشك المتواصل الذي دفع كثيرين إلى حدود الأزمات النفسية.

لكن حواجز كثيرة تقف وراء امتناع البعض عن المشاركة في إعلانات الانتصار على وباء كورونا التي تتواتر كل فترة، فأسباب التخوف كثيرة أهمها الغموض الذي يكتنف الوباء وطبيعة الفيروس نفسه.

وسبب آخر هو انعدام ثقة البعض في الحكومات وصدق أو دقة المعلومات التي تنشرها والقرارات التي تتخذها بشأن الوباء وتأثيره على مسارات الحياة الطبيعية للفرد والمجموعة.

تونس ومصر مثالا

فتحت تونس اليوم مطاراتها وموانيها لاستقبال التونسيين العائدين والسياح، وقد صنفها المجلس العالمي للسفر والسياحة بلدا آمنا من الوباء حسب ما أعلنت وزارة السياحة.

الخطوة أثارت في البلد فرحا بقدر ما أثارت من خوف! هكذا بدا المشهد كما عكسه تفاعل التونسيين مع القرار على وسائل التواصل الاجتماعي.

فقد أُرفق قرار فتح الحدود بإجراءات وقائية أعلنتها الحكومة والجهات المختصة وأظهرتها الصور المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي اليوم.

ورغم ما يوحي به المشهد العام في البلاد من أن الحياة عادت إلى طبيعتها مع تغيير شكلي قد ينحسر في صفوف أمام المحلات، ومقاه أقل اكتظاظا وكمامات طبية على بعض الوجوه، فإن الحذر وعدم تجاهل الوضع الوبائي المحلي والدولي مازال مطلوبا.

وقد تُذكر بذلك في يوم "إعلان الانتصار على كورونا" كما اعتبره البعض، تدوينة وزير الصحة التونسي "عبد اللطيف المكي" على صفحته على فيسبوك.

في مصر٫ اتخذت الحكومة خطوة كبيرة أيضا بإعلان فتح المقاهي ومرافق أخرى وعودة الصلاة في المساجد.

وكانت القرارات مشروطة بإجراءات وقائية إلزامية.

وأدخلت عودة الصلاة في المساجد البهجة إلى قلوب كثيرة. ولم يفوّت البعض فرصة التعبير عن بهجته هذه بصورة أو تعليق على مواقع التواصل بعد صلاة فجر اليوم.

لكن الوضع في مصر والتقارير اليومية عن الإصابات والوفيات بالوباء، وتغريدات الناس وتدويناتهم عن أوضاع المستشفيات والمرافق الصحية عموما دفعت البعض إلى اعتبار قرارات الحكومة المصرية مجازفة كبيرة.

إذ توثق أحدث التقارير المعلنة عن الوضع الوبائي في مصر من قبل وزارة الصحة والإسكان تسجيل 1625 إصابة جديدة و 87 حالة وفاة، يوم أمس.

ولعل من غير المفاجئ، أن تعج صفحات التواصل الاجتماعي المصرية بالسخرية من قرارات كإعادة فتح المقاهي بطاقة استيعاب لا تتجاوز خمسة وعشرين في المائة.

كوميديا فيها الكثير من القلق المتستر خلف السخرية. و"تصعيد نفسي" لخوف قد لا يكون بيد الأشخاص شيء لمجابهته فيقررون تحويله إلى مادة لسخرية تنشر بهجة "مزيفة" لبعض الوقت.

في تونس كما في مصر وغيرها من الدول التي قررت تخفيف إجراءات الإغلاق العام أو إلغاءه تدريجيا، يرى البعض أن القرارات المتخذة "لا علاقة لها بانحسار الوباء أو السيطرة عليه" وإنما قرارات اقتصادية بحتة.

ويدعم انعدام الثقة في الحكومات هذا التفكير.

ويؤمن كثيرون بأن قيمتهم كأفراد لا تعني الكثير أمام أرقام المعاملات الاقتصادية ومؤشرات النمو والركود.

بينما تؤكد الحكومات أن قيمة الإنسان تعلو ولا يعلى عليها.

ووسط الأمور هنا هو محاولة إيجاد توازن بين الخسائر الاقتصادية والخسائر البشرية المتوقعة من الوباء، واتخاذ إجراءات تدريجية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه على الجانبين.

شبح الانهيار الاقتصادي

قطاع السياحة في تونس، قطاع حيوي يعتمد اقتصاد البلاد على عائداته بشكل كبير وترتبط به قطاعات حيوية أخرى كالنقل والتجارة وغيرها.

وتتوقع الحكومة أن "اقتصاد تونس سينكمش بأكثر من 4.3% هذا العام في أسوأ ركود منذ استقلالها عام 1956 مدفوعاً بانهيار قطاع السياحة الحيوي المهدد بخسارة عائدات تصل إلى 1.4 مليار دولار".

وهذا ما جاء في رسالتها إلى صندوق النقد الدولي والتي اطلعت عليها رويترز في منتصف أبريل/نيسان الماضي وتداولتها وسائل الإعلام المحلية.

وانهيار هذا القطاع ولو جزئيا يعني بالضرورة أزمة اقتصادية كبرى تكون بعض نتائجها الاستدانة خارجيا بشروط تقلل الدعم عن المواطنين وتثقل كاهل الفرد "لحساب مصلحة المجموعة".

بالإضافة الى غلاء الأسعار وارتفاع نسب البطالة وتوسع الطبقات الفقيرة والأقل دخلا على حساب الطبقات المتوسطة.

هذه النتائج المتتابعة ليست خاصة بالوضع في تونس.

وانما الانكماش الاقتصادي الحاصل والمتوقع بسبب الجائحة يطال "الأغلبية الشاسعة من اقتصادات الأسواق الصاعدة والبلدان النامية. وسيلحق أيضا ضررا دائما بإنتاجية الأيدي العاملة والإنتاج المحتمل." حسب دراسات مجموعة البنك الدولي.

وتشير أحدث دراسات مجموعة البنك الدولي، الشهر الماضي، إلى أن انتشار وباء كورونا عالميا سيؤدي إلى سقوط ما بين 71 مليون و 100 مليون شخص "في براثن الفقر المدقع على أساس خط الفقر الدولي، وهو 1.90 دولار للفرد في اليوم".

وذلك اعتمادا على دراسة سيناريوهين أحدهما "أساسي" يَفترض استمرار تفشي الفيروس بالمستويات المتوقعة حالياً وتعافي النشاط في وقت لاحق من هذا العام، و"سيناريو تدهور الأوضاع"، الذي يقدر ما سيحدث إذا طال أمد انتشار الوباء لفترة أطول من المتوقع.

ويقول البنك الدولي إنه "ينبغي أن تكون الأولويات الفورية للسياسات تخفيف الخسائر البشرية والتقليل من الخسائر الاقتصادية في الأجل القريب".