آيا صوفيا بين ذكرى لوزان 'وسيف أرباش'.. ما الرسائل التي أراد اردوغان إيصالها؟

Turkish President Recep Tayyip Erdogan in Hagia Sophia مصدر الصورة Getty Images

لا تزال ردود الفعل تتوالى حول إقامة أول صلاة جمعة في مسجد آيا صوفيا، خاصة عبر مواقع التواصل الاجتماعي التي حاول روادها رصد أهم المشاهد التي ميزت مراسم الافتتاح. فما دلالات تلك المشاهد؟ وما الرسائل التي أراد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إيصالها؟

الذكرى الـ97 لتوقيع اتفاقية لوزان

في خطوة عدها كثيرون مقصودة، توافد آلاف الأتراك وفي مقدمتهم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يوم الجمعة 24يوليو /تموز للمشاركة في أول صلاة في مسجد آيا صوفيا بعد أن تحول إلى متحف منذ عام 1934.

في اختيار اليوم دلالة كبيرة، إذ يبدو أن الحكومة التركية تعمدت إعادة فتح آيا صوفيا أمام المصلين في ذكرى الـ 97لتوقيع معاهدة لوزان.

ووقعت الاتفاقية في 24 تموز/ يوليو 1923، في لوزان في سويسرا، وتعد بمثابة شهادة الوفاة الرسمية للدولة العثمانية وميلاد الجمهورية التركية المعاصرة بقيادة مصطفى كمال أتاتورك .

وتتألف معاهدة لوزان من 143 مادة، أهمها تلك التي تتعلق بتنظيم وضع تركيا الدولي، ورسم الجغرافيا السياسية لتركيا الحديثة وتحديد حدودها مع اليونان وبلغاريا إضافة إلى ترتيب علاقتها مع دول الحلفاء المنتصرين في الحرب العالمية.

لذا يرى المؤيدون للرئيس التركي في "إقامة أول صلاة في مسجد آيا صوفيا في ذلك التاريخ أمرا مهما للغاية، و يؤكدون على أن إسطنبول ستبقى تركية ومسلمة إلى الأبد".

في حين يصف آخرون تلك الخطوة "بالعبثية"، قائلين إنها كشفت "عن طموحات أردوغان الخطيرة وآماله في عودة الإمبراطورية العثمانية وسياساتها التوسعية".

استدعاء للتاريخ العثماني

وبدا الاستعراض الإعلامي واضحا في مراسم الافتتاح، إذ حرص أردوغان على التوجه برفقة زعيم حزب "الحركة القومية" دولت باهتشلي لزيارة ضريح السلطان محمد الفاتح.

ثم تفقد آيا صوفيا قبل استقبال حشود المصلين الذين وقفوا لساعات أمام الأبواب للمشاركة في الصلاة.

ورصدت عدسات الكاميرا تهافت المصلين وتسابقهم للصلاة، مرددين تكبيرات وأدعية . كما سمعت هتافات أخرى يقول البعض إنها تعود للجيش الإنكشاري.

وانطلقت الصلوات بتلاوة الرئيس التركي آيات من القرآن فظهر وهو يرتدي بدلة عصرية ويعتمر قلنسوة بيضاء.

سيف أرباش ... الدلالات والرمزية

من جهة أخرى قال وزير الشؤون الدينية التركي، علي أرباش، إن إعادة افتتاح مسجد آيا صوفيا للصلاة "بمثابة بارقة أمل لمساجد الأرض الحزينة والمظلومة، في مقدمتهم مسجد الأقصى".

ولفت أرباش الأنظار عندما اعتلى المنبر وهو يتقلد سيفا وظل ممسكا به طوال إلقائه للخطبة.

استحضار السيف له دلالات سياسية ورمزية عديدة، أهمها إعادة تذكير الناس بمشهد "فتح مدينة القسطنطينية".

ويقول محللون أتراك إن رفع السيف تقليد قديم يعود إلى السلطان محمد الفاتح، إذ دأب على 'تعليق رايتين على منبر المسجد ووضع سيف على جانب المدخل الأيمن للمنبر عند غزو أماكن جديدة".

وجرت العادة بأن يرفع الخطيب السيف بيده اليمنى في حالة الترهيب بينما يمسكه بيده اليسرى إذا أراد بعث رسائل طمأنة، بحسب ما ذكرته وسائل إعلام تركية.

كما تضمنت مراسم صلاة الجمعة في آيا صوفيا العديد من المشاهد الرمزية الأخرى، مثل رفع رايات خضراء تتوسطها أهلة بيضاء . وترمز تلك الرايات بأهلتها الثلاثة إلى اتساع رقعة الإمبراطورية العثمانية التي امتدت إلى قارات آسيا وإفريقيا وأوروبا.

ابتهج كثيرون لرؤية تلك المشاهد، فهي بالنسبة لهم خطوة صحيحة لإعادة تشكيل الهوية التركية المضطربة وإرجاعها للحضن الإسلامي بعد أن باءت محاولاتها للانضمام للاتحاد الأوروبي بالفشل.

في المقابل، وصف آخرون المشهد بالخطير لما رأوا فيه من تهديد لمكتسبات الدولة المدنية في تركيا ومحاولة لمحاكاة أحداث القرون الوسطى التي عرفت بالاقتتال الديني.

غضب وحداد

على الضفة الأخرى، أعلنت اليونان وقادة الكنيسة المسيحية الأرثوذكسية في أثينا الحداد وتنكيس الأعلام احتجاجا على تحويل آيا صوفيا إلى مسجد.

وصفت الكنيسة القرار التركي بتحويل الصرح التاريخي إلى مسجد بـ "المتسرع" مضيفة "أن تسيس القضايا الإيمانية سيقلل فرص التنوع الديني والاحترام بين ممثلي الأديان المختلفة للعب دورها في تعزيز السلام والاستقرار".

شعبيا، نظم يونانيون عدة وقفات احتجاجية تنديدا بالقرار التركي. وأحرق متظاهرون في مدينة سلانيك اليونانية، العلم التركي، مرددين شعارات من قبيل " هذا من أجل الوطن والمذهب الأرثودوكسي".

من ناحية أخرى، أعرب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن استيائه من تحويل متحف آيا صوفيا إلى مسجد، متهما السلطات التركية بانتهاك حرية الأقليات الدينية في البلاد .

في حين نشر نائب الرئيس الأمريكي مايك بنس تغريدة على تويتر عبر فيها عن دعمه لموقف الكنيسة الأرثوذكسية مشددا على ضرورة "إبقاء آيا صوفيا متاحا للجميع كمصدر للإلهام والتأمل لكافة المعتقدات".

وكانت تركيا قد تعهدت بحماية القطع الأثرية في آيا صوفيا، وقالت إنها ستظل مفتوحة أمام المسلمين وغير المسلمين خارج ساعات الصلاة.