انفجار بيروت: دلالات زيارة ماكرون و"مطلب عودة الانتداب الفرنسي للبنان"

بعد انفجار مرفأ بيروت، بادرت دول عربية وغربية بالتعبير عن تضامنها وتقديم التعازي والوعد بدعم بيروت، وأرسل بعضها طائرات محملة بالأدوية والأغذية بينما تكفلت أخرى برعاية عدد من الجرحى. لكن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قرر أن يسبق الكل بزيارة "بيروت المنكوبة" وشعبها .

مصدر الصورة Getty Images

قبل الزيارة غرّد ماكرون تضامنا مع لبنان باللغتين الفرنسية والعربية، وأثناء الزيارة غرّد "بحب لبنان" باللهجة اللبنانية.

"مطلب عودة الانتداب الفرنسي للبنان"

نزل ماكرون ببيروت فاستقبله البعض استقبال البطل وطالبوه "بإنقاذهم" من الوضع الذي ينحدر نحو هوّة أعمق بفعل الانفجار، وقد كان قبله على شفا الانهيار بسبب الأزمة الاقتصادية.

حتى أن عشرات الآلاف وقعوا خلال ساعات عريضة تدعو إلى عودة الانتداب الفرنسي إلى لبنان.

وتداول البعض صورة "مهيبة" لماكرون مصحوبة بعبارة" تعا وجيب الانتداب معك" .

ولم يمر "الطلب" طبعا دون انتقاد بلغت حدة لهجته التخوين، بينما اكتفى البعض بتأكيد رفضهم لكل احتلال من أي جهة.

عدد الموقعين على الطلب لم يتجاوز خمسين ألفا، ما يمثل نسبة ضئيلة من عدد سكان لبنان الذي يقدر بنحو سبعة ملايين.

الطلب ليس رسميا، لكنه ذو دلالة. وبغض النظر عما إذا كان جديا أو تعبيرا عن الغضب، فهو رسالة واضحة من موقّعيه إلى حاكميهم.

ومفاد الرسالة أنهم يعتبرون العيش تحت الاحتلال أهون من معيشتهم في الوضع الراهن في لبنان المستقل.

دلالات زيارة ماكرون

صور زيارة ماكرون إلى بيروت كانت لها قراءات متعددة من ناظريها، وقد تعني نجاح ماكرون في إيصال ما أراد للبنانيين وغيرهم.

وقارن معلقون على الزيارة ربطة عنق ماكرون السوداء، التي ترتدى في الحداد عادة، وهو يطأ أرض مطار بيروت بربطة العنق الزرقاء التي ارتداها مٌستقبِله، الرئيس اللبناني ميشال عون.

وراقب اللبنانيون أيضا كلمات ماكرون وحركاته في حضور عون٫ والتي بدت فيها سيطرة ماكرون.

هذه السيطرة فسرها البعض بـ"امتثال عون لبروتوكول فرنسي" وفسرها آخرون بضعف موقف عون الذي يحمله كثيرون مسؤولية ما يحدث في البلد الذي يرأسه.

ومقابل "طلب عودة الانتداب" والترحيب والتهليل بزيارة ماكرون٫ ارتفعت أصوات الداعمين للرئيس اللبناني ميشال عون تحت وسم #أنا_أفتخر_برئيسي .

فمنهم من دافع عنه حبا فيه وإيمانا بأنه الأقدر وإن أخطأ، ومنهم من دعا لاحترامه بصفته الرئيس وفي إطار ما وصفوه بالوطنية.

نزل ماكرون إلى شوارع بيروت والتحم بالناس الذين أطلقوا الصيحات مطالبين بإسقاط النظام.

وفعل ما توقع لبنانيون أنه "أولى بالرئيس اللبناني فعله" ولو أن هناك من فسر عدم نزول السياسيين اللبنانيين إلى الشارع بتفادي غضب قد يزيد الأمور تعقيدا.

وأمام وعد ماكرون بمساعدة اللبنانيين، طلب منه مستقبلوه أن لا يسلم أموال المساعدة للحكومة وأن توزعها فرنسا بمعرفتها، فوعد بأنه كذلك سيفعل.

وقد يختصر هذا الطلب دلالات الرسائل التي استقبلها ماكرون من بعض اللبنانيين بدءا بالعريضة: هم لا يثقون في حكومتهم ويحملونها مسؤولية ما حدث وما يحدث.

ووعدت الحكومة اللبنانية منذ يوم الانفجار بالتحقيق الجدي وبمحاسبة المسؤولين عن هذه الفاجعة.

وأصدرت قرارات بوضع مسؤولين تحت الإقامة الجبرية وتجميد أرصدتهم، وأعلن القضاء العسكري توقيف ستة عشر من موظفي ميناء بيروت على ذمة التحقيق.

عن مقاصد زيارة ماكرون

وبعيدا عن الجانب الشعبي من زيارة ماكرون٫ فالرجل رئيس الجمهورية الفرنسية ولم يزر لبنان بصفته الشخصية بل بصفته الرسمية وتحدث باسم فرنسا ووعد بدعم فرنسي للبنان، فالزيارة في هذا الإطار تحرك دبلوماسي وصفه كثيرون بالذكي، وتمنوا لو أنه صدر عن رئيس عربي "بدل الاكتفاء بإرسال المساعدات وبرقيات التعازي" .

كما تعزز خطوة ماكرون مكانته داخل بلاده وخارجها، وقد تتيح له أولوية ومكانة فضلى في مشروع إعادة إعمار ما دٌمّر في بيروت، وهو الذي أعلن بالفعل رعاية مؤتمر دولي لمساعدة لبنان.

خطاب ماكرون الذي ألقاه بعد جولته في المدينة٫ كان واضحا، وقال فيه "إن التمويل متاح للبنان لكن يتعين على قادته تنفيذ الإصلاحات أولا".

وفتحت كلمات ماكرون الباب أمام تكهنات حول كيفية استفادة فرنسا من أزمة لبنان سياسيا واقتصاديا.

وتراوح الحديث عن هذا بين اتهام فرنسا بالاستغلال و"الصيد في المياه العكرة"، وبين القول إن هذه قوانين الدبلوماسية وأحكام السياسة.

خاصة أن الحديث عن لبنان في إطار العلاقات الخارجية يرتبط بالضرورة بوجود حزب الله ضمن تركيبته السياسية وما يمثله من أسباب للخلاف بين الدول المعنية بالشرق الأوسط.