آخر المسيحيين

حافظ مسيحيو العراق على وجودهم وثقافتهم على مدى ألفي عام، لكنهم أصبحوا مهددين بالزوال. فقد انحدر عددهم من مليون ونصف المليون قبل الاجتياح الأمريكي إلى نحو ثلاثمئة ألف حالياً.

إيلي ملكي جال في سهل نينوى شمالي العراق لتوثيق ما تعرضت له المجموعات المسيحية هناك من تهجير من قبل ما يعرف بتنظيم الدولة الاسلامية، وليكشف عن ضغوط مستمرة تمارس على من تبقى منهم من قِبل بعض جيرانهم قد تدفع بهم الى اللحاق بركب من هاجر منهم الى الخارج.

وفي تركيا، كان يبدو أن المسيحيين أصبحوا على شفير الانقراض بعد ما كانوا ضحية مجازر قبل قرن، يكشف الوثائقي النقاب عنها، وهم عرضة اليوم ايضاً لضغوط من قبل جيرانهم الاقوى. فهل من أمل لهذه المجموعات بمستقبل سلمي؟

على خطى الأب ليونارد

Image caption مريم جوكمن - آخر مسيحية في قرية زاز

في عام 1914 كانت نسبة المسيحيين في السلطنة العثمانية بتركيا لا تقل عن 20 أو 25 في المائة من مجموع السكان، ولكن هذه النسبة انحدرت إلى 1 في المائة مع اندلاع أولى حروب القرن العشرين.

وكان معظم هؤلاء المسيحيين من الأرمن واليونانيين ومن طوائف شرقية من التقليد السرياني.

ايلي ملكي

حضور تبشيري للكنيسة الكاثوليكية

سعت الكنيسة الكاثوليكية في روما منذ نحو خمسة قرون لاستمالة هؤلاء إلى معتقدها من خلال إرساليات انصبّ مجهودها في التبشير والتعليم. وهكذا نجح الكرسي الرسولي في مسعاه، إذ نشأت في تركيا وعلى امتداد بلاد المشرق والعراق، كنائس كاثوليكية منبثقة عن التقليد الشرقي، مثل السريان الكاثوليك والأرمن الكاثوليك والروم الكاثوليك والكلدان.

ماذا نعرف عن القرية التركية التي يتحدث سكانها لغة المسيح؟

إزالة لوحة "ماك المسيح" من متحف إسرائيلي

وكان الرهبان الكبّوشيون من أنشط الإرساليات التي رسّخت حضورها جنوبي تركيا، حيث الوجود المسيحي الكثيف الناطق بالسريانية والعربية.

نكبة لا مثيل لها

تحول الدير الى موقف للسيارت
Image caption تحول الدير الى موقف للسيارت

وفي مطلع الحرب العالمية الأولى، الدائرة رحاها آنذاك بين السلطنة العثمانية والامبراطورية القيصرية الروسية، على الجبهة الشرقية للسلطنة، أي حيث تقع أرمينيا، قررت حكومة "تركيا الفتاة" الحاكمة آنذاك، نقل الأرمن الى مناطق بعيدة عن الجبهة داخل السلطنة، توجّسًا من تحالف محتمل بينهم وبين الروس٬ من منطلق خلفيتهم المسيحية الارثوذوكسية.

لكن، عملية نقل السكان الأرمن٬ في واقع الأمر٬ أخذت شكل قوافل بشرية معظمها من النساء والأطفال وكبار السن، تعرّض معظمهم للتجويع والسبي والذبح والقتل، على أيدي الجنود العثمانيين والبعض من القبائل الكردية التي عبرت هذه القوافل أراضيها.

وسرعان ما امتدّت موجة اضطهاد الأرمن لتشمل باقي الطوائف المسيحية، لدرجة إفنائها في بعض المناطق.

علاقة شخصية

شغلني موضوع مسيحيي جنوب تركيا والعراق منذ زمن. وكنت في خضم التحضير لوثائقي عن مصير هذه المجموعات تحت عنوان "آخر المسيحيين". ورغم أنه لا جمل ولا ناقة لي في تركيا، إلا انني اكتشفت أن في تاريخ عائلتي ما يربطني بما جرى هناك، في تلك الحقبة، من أحداث.

أقصد الأب ليونار ملكي. وهو من الرهبان الكبوشيين ونسيب لي من جيل أجدادي٬ من بلدتي بعبدات الواقعة في جبل لبنان والمشرفة على ساحل العاصمة بيروت. وكان أرسل الاب ليونار الى مدينة مردين في جنوبي شرق تركيا للاهتمام بأمور التعليم والإرشاد في مدرسة دير الرهبان الكبوشيين هناك.

وما لبث أن ارتبط مصيره بمصير المجموعات المسيحية التي بدأت تطالها موجة الاضطهادات سنة ١٩١٥. ففي شهر حزيران/يونيو الماضي اعتقل، و سيق الاب ليونار في إحدى قوافل المعتقلين٬ من مردين الى ديار بكر خوفا من سيناريو معارضتهم للسلطات. وعلى الطريق بين المدينتين أوقفت القافلة وأعدم بشكل شنيع كل من سار في ركبها، ومنهم الاب ليونار.

الاب ليونارد
Image caption الأب ليونارد

وبعد مرور قرن على هذه الحادثة٬ تنظر الكنيسة الكاثوليكية اليوم في ملف تطويبه.

لكنني لم أكتف بهذا القدر. بل بات في نظري مصير ابن قريتي الشاب مرتبطاً بشكل وثيق بما آل اليه مصير مسيحيي تركيا. وازددت فضولا لمعرفة المزيد عن هذه المأساة.

فقصدت لبنان بغرض التحدث الى نسيب آخر لي، هو فارس ملكي٬ وهو سليل مباشر للأب ليونار. وقد كرّس فارس ملكي النفيس من وقته لجمع ما توفّر من وثائق تاريخية عنه وعرضها في موقع خاص على الانترنت. وبناء على ما أطلعني ب،٬ عقدت العزم على زيارة المواقع التي كانت شاهدا على الوجود المسيحي وعلى اندثاره، من خلال تصوير هذه المواقع وعرض مأساة الاب ليونار في فيلم وثائقي.

على خطى قريبي

مردين مدينة تفتخر بتاريخ عمره آلاف السنين. واسمها بالارامية يعني العاصية أو المتمردة او القلعة. وقبل الحرب العالمية الاولى٬ كانت مدينة مزدهرة وتضم كل مكونات نسيج المجتمع العثماني٬ من أتراك وأكراد وأرمن وسريان وكلدان. وكان مسيحيّوها يناهز عددهم اكثر من ثلث العدد الاجمالي لسكان المدينة.

اما اليوم٬ فالوجود المسيحي يكاد يكون معدوماً. وشاء القدر أن التقي بسيدة تحتفظ بمعلومات عن الأديرة والكنائس التي غاب آثرها. ومنها الدير ومدرسة الاب ليونار. أضحى دير الكبوشيين الذي كان قبل قرن من الزمن مركزاً تعليمياً مرموقاً موقفاً للسيارات! واصطحبتني السيدة إلى مبنى حمام ليس إلا بقية من آثار الدير المُغيّب. وكان فارس قد أطلعني على وثيقة للأب جاك ريتوري تصِف أحوالهم أثناء عبورهم الحي المسيحي في المدينة:

"كانت السماء في تلك الليلة صافية، فتمكّن الناس من مشاهدة موكب السجناء، مربوطين كلّ اثنين إلى بعضهما، مغلولين بالقيود والأصفاد، شاهدوهم من فوق سطوح المنازل، ومن خلال النوافذ المشرّعة. وكان يلاحظ بعضهم يتلكأ في مشيته منهكًا، وبعضهم يسير حافي القدمين، لا تستر أجسامهم إلاّ خرق بالية.

كان الأب ليونار الكبّوشي يسير على رأس القافلة بين أخوين من رهبنة مار فرنسيس الثالثة للعلمانيين. ولَــمّــا مَرَّ من أمام ديره، رفع رأسه محييًا للمرّة الأخيرة ذلك المقام المقدّس، حيث عاش سعيدًا يزرع الخيرات"

وسرت مع فريق بي بي سي على الدرب الذي سلكته القافلة نحو ديار بكر، وعلى طريقنا تقع تلة تدعى قلعة زرزوان. وفيها آثار لمباني من الحقبة الرومانية. وصلنا عند المغيب. وفي هذا الموضع الذي كان شاهداً على آلام الاب الكبوشي وكل من جمعتهم قافلة الموت٬ استذكرت ما نقله شهود عيان:

"اقتيدوا على بعد ساعة من هنا، إلى المحلّة المعروفة بـ "قلعة الزرزوان"، حيث قُتلوا فيها جميعهم، أربعة بعد أربعة، بضرب الحجارة، والخنجر، والسيف القصير، واليطقان، والهراوة، وأُلقي بهم في الآبار."

كوارث وهجرة

حاول مسيحيو تركيا العودة الى ديارهم بعد نهاية الحرب. لكن الجمهورية التركية الفتية حافظت على موقف السلطنة العثمانية من رعاياها المسيحيين، ولم تسمح بوجود إلا العدد القليل الذي نجا مما حلّ بهم من ويلات. ودفعت الأجواء السلبية لاحقاً٬ كالحرب بين الجيش التركي و حزب العمال الكردستاني والتهميش من قِبل السلطات، بمن بقي نحو الهجرة. ولم يبق اليوم من وجود شعب عاش لآلاف السنين في تلك الارض سوى حوالي 1500 نسمة وتراث معماري وثقافي بات اليوم آثاراً.

لمشاهدة الوثائقي كاملا إضغط هنا.

لمشاهدة المزيد من من وثائقيات بي بي سي عربي إضغط هنا.

مواضيع ذات صلة

المزيد حول هذه القصة