"صفقة القرن والمصباح السحري"

سطرتُ ومحيتُ عشرات العناوين والمتون لهذا المقال.. كتبت عن صلات قوية بين دراستي الجديدة وعملي.

كتبت عن القانون الدولي.. عن ضيوفي المعلَّقين أزليا كما يبدو في مقدرات الصراع العربي الإسرائيلي.. وعلى كثرتهم لم يكن لأحدهم وهبةُ الإجابة.. فالسؤال عسير والمسار وعر. كتبتُ عن المستوطنات والقدس واللاجئين وما بقي من أقصوصة الوضع النهائي.. كتبتُ عن انتفاضتين ترهص ثالثة للحاق بهما. كتبتُ عن الدبلوماسية الأمريكية وضروب الحرب في مشاهد ثلاثة: ١٩٤٨ـ ١٩٦٧- ١٩٧٣.. كتبتُ عن تفاهمات أوسلو ومرجعيات مدريد وأصوات المفاوضين الفلسطينيين صائب عريقات ونبيل شعث وحنان عشراوي، ضيوفي القدامى، تغزو ذاكرتي القريبة والبعيدة. عن أونروا ووقف التمويل، عن المستوطنات ومجلس الأمن، عن كارتر وكلينتون وأوباما، عن دونالد ترامب ونقل السفارة من تل أبيب إلى القدس، عن التطبيع سرا حينا وعلنا أحيانا من جانب دول اختلف خطاب بعضها السياسي والإعلامي مئة وثمانين درجة مئوية وحوالي عشر درجات على مقياس ريختر. كتبتُ ومحيتُ وأعدتُ الكتابة، وأصْدقكم أني شعرت بالرتابة فيما كتبت.. دوامات مستنسخة تدور في عقلي المرهق تعيد تدوير مئات الأفكار وعشرات الضيوف على مدى عشرين عاما وآلاف التفاصيل الفارقة.

"كائن لا تُحتمل خفتُه"

"ياللعصر اللولب".. نفحة من لدن نجيب سرور أبت إلا أن تواكب ازدحام الكلمات على أوراقي، ربما لشبه حميم بين استنساخات الأزمان في فصول قصة فلسطين والعبارة الساخطة، أو لغرض أظن أنه يماهي مجال التأثير للصراع التاريخي ويجعله حلقة لها ثقل الكتلة وضياع الفراغ. أكم من مرحلة تَشابَه شخوصُها في الصراع بين الأرض والنفوذ، وكأن الزمن يأتي عند الواقع العربي ولا يهن. وكأن للتاريخ صوتَ أوراق اصفرّ لونُ بعضها وأبى البعض وطأة الزمن، لكن الحكمة واحدة، والتاريخ دوار.

يأتي وجه جديد للبيت الأبيض، ملوحا بالنفوذ والثراء والراديكالية. يقلب المواءمات الأوبامية ويعيد اختراع العجلة. في هذا السياق أستشعر للعجلة معان أخرى، فالعجلة التي أقصدها من العَجَل. رجل يريد كل شيء.. وبسرعة، السطوة والشهرة والهيمنة والردع. إيران تارة والمسكيك أخرى، من حلف الأطلسي لنافتا لكوريا الشمالية للتنظيمات الجهادية، مرورا، لحسن الحظ أو سوئه بالملف الأعقد: فلسطين. يكاد لا يعترف بها أصلا لكنه يعلن خطوات لم يسبقه إليها جرأةً أحد. ينقلُ السفارة ويقر أراضيَ محتلة بموجب القانون الدولي لإسرائيل، يُتم صفقات شرق أوسطية تُلصَق بالصفقة المرتقبة، ينزع الجولان من دائرة الصراع ويسميها حقا لإسرائيل في الإدارة، وهكذا. وتتبدل المواقف العربية في معظمها من أقصى زاوية على يمين الخط المستقيم المسمى بعملية السلام إلى أقصاها في الواجهة المقابلة.

التطبيع يصير علنيا والصفقة تُناقش في ورشات عمل يقاطعها الفلسطينيون ولا يقاطعون منظميها أو حضورها. أسألهم عن صفقة القرن فيقولون ليس لها من وجود، ثم أفاتحهم في تفاصيلها فيفندون الشارد منها والوارد. تتربع الصفقة فوق طاولات الحوار كالماء الكثيف، يراه الجميع ويستخفون كتلته. تراوح الأطروحات جنبات الاجتماعات وتتناثر الأحاديث في الهواء المعبأ. تطير إليّ الأنباء والحجج وتلفحني شذرات الشجب والتنديد، أجمع حروفي وأسئلتي وأبحث مع زملائي عن شخوص لوحة الشطرنج، أُجابه وأحاور وأتحدى وأناقش.. وفي عقلي ذات السؤال: إلى متى؟ وإلى أين؟ وعيني على ذات الإجابة، دولتان كان .. أو دولة واحدة أو سلاما مقابل الأرض أو انتفاء الواقع أو تغليب الخيال… أيا ما كان فالإجابات دائما غير شافية ولا قدرة لها على التحقق والتمكن والصمود.

المصباح السحري:

كل من حاورتهم عن صفقة القرن من كل الأطراف يقفون تقريبا على مسافة واحدة من الاعتراف بزخم الولايات المتحدة وفعاليتها في المشهد. يتوارى هذا الاعتراف بين أنفة المسؤولين ورومانسية الحالمين، لكنه في النهاية يسطع غاشيا كشمس الضحى. وبين أضلاع الرباعية لا يلتفت أحد إلا لراديكالية الرجل الكبير في البيت البيض. يعتقد الأكاديميون أن مسارات مشهدية كثيرة في الشرق الأوسط ستنقلب رأسا على عقب لو اختفت اليد الأمريكية من أفق النظر. يعتقد البعض في ضرورة التصدي لليد الكبيرة، ويصيب ويخطيء آخرون في تقدير حجم الأيادي المجاورة والمقابلة والمحيطة. لكن غالبية ليست بالهينة تنظر للمصباح السحري في اليد الكبرى بين أمل وازدراء وعداء، كلٌ على حسب زاويته البحثية ومدرسته الأيديولوجية. جادلتُ كثيرا مع أساتذتي في العالمين المواكبين في الصحافة والأكاديميا، ولا أعتقد أن تباينا وصخبا حول أمر ما تفوق على هذا التباين وهذا الصخب. المصباح بين المختلفين إما سيفتح للنور طاقة ترسم واقعا جديدا شاء من شاء وأبى من أراد، أو سينقلب المصباح على يد حامله ويحرق الجميع، هكذا يرى المترقبون لواقع جديد أو لامتداد للفراغ السديمي غير ذي النهاية.

حلقة خاصة من بلا قيود تواكب ورشة البحرين عن امتداد الأفق الفلسطيني الإسرائيلي، بالأحرى العربي الإسرائيلي وصفقة القرن. يقولون ليس من شيء اسمه صفقة القرن وفي كل مناسبة يطرح الاسم مؤطرا أمام مايكروفونات وعدسات الصحافة. يقولون السُلطة الفلسطينية فعلت ما بوسعها وأزمات فتح ومنظمة التحرير كل يوم على صفحات الجرائد، يقولون لا تطبيع مع إسرائيل، والجهار العلني أصبح أمرا واقعا بمفردات التطبيع الرسمي. يقولون مصالحة فلسطينية، وفي كل ملاسنة هوة كبرى تتسع لسقوط آلاف الفلسطينيين بين الضفة وغزة في ظلام المجهول. يقولون إصلاحا هيكليا لسلطات فلسطين واحتكاما للقانون الدولي، وأرى وقفا لتمويل أنروا وتجاهلا أمريكيا صلفا للسلطة ورأسها. يبدو أن قدر الصحفي أن يرى ما لا يريد له الآخرون أن يدرك، لكنه يأبى إلا أن : أدرك، يدرك، إدراكا.

عن صفقة القرن والمصباح السحري حاورت وزير الخارجية الفلسطيني السابق د.ناصر القدوة، الذي حاورته سابقا حين تردد اسمه كثيفا كبديل لرئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس أو خلفا له، عدت به إلى ما قاله قبل عامين عن أوسلو. واجهته بواقع ما بقي من أوسلو وعملية السلام. جابهته بانتقادات من داخل السلطة وخارجها لمسار وصفوه بالاستئثاري بالسلطة، وعن اتهامات منظمات حقوقية دولية لحماس والسلطة في آن معا بالقمع والتعذيب وتغييب الرأي الآخر، سألته عن مقاطعة الورش وانتفاء مقاطعة منظميها، وعن الحديث عن صفقة القرن بازدراء وقد أصبحت على ما يبدو واقعا ثقيلا وزنا وتأثيرا.

بلا قيود، الأحد الخامسة والنصف مساء بتوقيت جرينتش على بي بي سي العربية.

المزيد حول هذه القصة