"العروسة طويلة والباب قصير“

في الموروث الشعبي دائما إجابات على مرجعياتِ أدقِ تفاسِيرِنا وأعمق مَشاهدنا السياسية الآنية، لا تسطيحا ولا استخفافا بواقع الحال المنطقي حينا والمرير بلا جبرية أحيانا، وإنما لأنه ما من نسق يطاول الثقافة الشعبية التراكمية فهما لثقافة الشعوب والحكام في آن. وبين مصنفات الموروث من مرسوم ومسموع ومحكي ومُنشَد تقف الأمثال الشعبية بهية في الصف الأول، أخّاذة جلية، تكاد لبساطتها لا تلتفت لأدبياتها منمنمة التفاصيل، على الرغم من عمق تدركه مسامع الواعي كما يدرك الموج تجاويف الصخر المحفور.

أكم من كتب في كل ثقافة تحفظ للأمثال بهاءها وتنظر لها بالعدسات المقعرة، تسبر غورها وتحكي من ورائها الحكايا. حكايا جداتنا الأثيرة ذات الرائحة، حبهان وقهوة ومنظفات البيت والحلوى التي تضم من الحب قدرا يفوق جهد إعدادها. تجدلها الجدات كما تغزلن ضفيرات الحفيدات وتهدهدن الأحفاد.

لما وقفت تونس منفردة بين شقيقاتها في ٢٠١١، تخط لنفسها طريقا تقدمت فيه مرة وتعثرت مرات بحسب محبيها قبل منتقديها، طالما خالج المراقبون لحريتها تخرج من رحم ما قبل الياسمين سؤال اللماذا؟ لماذا تونس والبقية أضاعوا الطريق؟ صحيح أن أخيها الفتيّ السودان يبدو له طريق منير محطِّما مخاوف المحبين وأضغاث المتربصين في آن، إلا أن لتونس بهاءَ الياسمين فعلا في مسارات متوازية أدقها النضال من أجل المرأة وحقوقها.

اعتدنا على علامة الاستفهام هذه حتى أصبحت تاجا على رأس تونس يميزها عن قريناتها منذ الربيع العربي. الواقع بالتأكيد ليس ورديا والحلم لم يكتمل، وظهر تونس مثقلٌ مازال بأزمات استقطاب الشباب من قبل التنظيمات الجهادية والهجرة غير الشرعية وغياب العدالة الانتقالية وفوق ذلك الدين الخارجي وأزمات الموازنة وحال المواطن المعيشي اليومي.

"العروسة طويلة والباب قصير"

أحلام التونسيين كبيرة والواقع مكبّل، إما لغياب الإرادة السياسية أو القدرة أو مزيج لزج يصعب فصل العام فيه عن الخاص والدولة عن الشعب. خلاصة عشرات اللقاءات ومئات التعليقات من التونسيين على منصات عدّة. صحيح أن أصوات تصدح بانتصارات صغرت أو كبرت على الطريق، إلا أن اقتصادا طاحنا يصعب جدا أن يخلق مواطنا سعيدا، إلا لربما (والتعميم قد يكون مُخلّا) من مشروع اجتماعي واقتصادي تنموي يحمل بعد العسر يسرا وبعد التقشف رفاهة.

"حوت يأكل حوت وقليل الجهد يموت"

حين ينغلق المجال العام لفترات طويلة في أي دولة، فحتى أولئك الراسخين في الممارسة الديمقراطية أو أصحاب التاريخي السياسي المحترم، تبزغ امامهم منافسات وصراعات سياسية صغيرة أو كبيرة في الفترة الآتية حالا بعد حراك ثوري ضخم، حراك قلب الواقع وعرّى الفساد وأزعج النخبوية ورفع للشعب راية وصوتا. القضية في تونس، أزمة كانت أو حالة صحية، أن التنافس لا يخلو من أدلجة الواقع السياسي ولا يتبرأ من محاولات كل طيف سياسي الاندماج في الواقع وأحيانا الانفراد به سياسيا، يحدد ذلك ثلاثة أمور: الإرادة، و المقدرة والسياق المرحلي. في واقع تونس تبادلت أطراف عدة اتهامات بمحاولة الاستئثار بالسلطة في أعوام ما بعد الربيع، وشهدت الفسيفساء التونسية تغيرات وتقلبات محسوبة وذات مغزى خلال سنوات تسع خلت.

"الزمان يورّي والدنيا تقرّي"

على كلٍ من محاسن الزمن أن المستقبل دائما يأتي. وحتى أعقد الأسئلة تجد إجاباتها للمتفكرين. تونس لا تتوقف، حقيقة. تونس لازالت تحاول، حقيقة أخرى. تونس لم تصل غاية المراد بعد، حقيقة ثالثة وأخيرة. وليس من باب التعليب ولا استسهال النهايات أن نقول: إن غدا لناظره قريب، والناظر هنا طبعا هو المواطن التونسي والمواطنة، هم أصحاب الشأن ومنتهى المسعى.. وكما يقول المثل التونسي، "ما يحس بالمزود، غير اللّي مخبوط بيه"..

هذا الأسبوع أحاور في بلا قيود أحد قيادتين، يبدو الخلاف بينهما للآخرين أكثر مما يبدو لهما، بحسب تصريحاتهما. تياران في النهضة افترقا ذات زمن وعادا للالتقاء بعد الربيع العربي ليرسما طريقا محسوبا للنهضة في حكم تونس، تارة في الترويكا، تارة على رأس السلطة التنفيذية وتارة في حرم البرلمان. اليوم أمامهما مهمة ليست باليسيرة، فتشكيل حكومة تقودها كتلة غالبيتها غير كاسحة في واقع سياسي تحكمه التعددية بكل مفاهيم الكلمة، خاصة بعد تجربة غير ناجحة برأي كثيرين لتجربة الشراكة مع النداء وأنداد آخرين. أسأل السيد عبد الفتاح مورو نائب رئيس حركة النهضة عن تحديات داخل الحركة وخارجها لمشروعها السياسي، وعن مستقبل الحركة وسط احتقان في الشرق الأوسط، واستقطاب حاد يفرض أحد طرفيه تنميطا على حركات الإسلام السياسي ويحكم على نواياها ومساعيها، ويبرر لها الآخر أو هكذا يبدو ما تقدم لها وما تأخر.

برنامج بلا قيود يبث يوم الأحد الساعة الخامسة والنصف مساء بتوقيت غرينتش على شاشة بي بي سي عربي ويعاد على مدار الاسبوع.

المزيد حول هذه القصة