الحقوق الفردية …قضية أم مطيّة؟

"في المغرب لا تستغرب"

هذه المقولة سمعتها أول مرة في حرم جامعة القاضي عياض في مراكش، عندما بدأت مطلع الثمانينيات دراستي ضمن أول فوج يتخرج من الجامعة بعد اعتماد لامركزية التعليم الجامعي في المغرب.

كان بعض زملاء الدراسة من بلدان الشرق الأوسط يرددونها، دون أن يمكنني في تلك الأيام الجزم على سبيل اليقين بما يقصدونه بها، ومع سني العمر والتجربة أدركت لاحقا بعض ما كان يقصده هؤلاء الشباب عندما يعيشون في المجتمع المغربي الأقرب جغرافيا لأوروبا من مجتمعاتهم.

في المغرب هذه الأيام ليس من حديث تقريبا سوى الحديث حول قضايا مختلفة مرتبطة بالحقوق والحريات الفردية والانتهاكات التي تطالها، في مجتمع يتحدّى فيه المغاربة أنفسهم، وواقعهم الاقتصادي الاجتماعي، ويتحدون القوانين السارية، في بلد يزعم ساستُه ويقول مواطنوه إنهم ينشدون دولة الحق والقانون.

وفي مثل هذا المناخ تتعالى أصوات ليبيرالية قوية في مضمار الدعوة لتعزيز الحقوق والحريات من قبيل صوت نورالدين عيوش، رجل أعمال وصاحب وكالة إعلانات تجارية، عضو مجلس إدارة جمعية زاكورة وهي منظمة مجتمع مدني تنشط في التعليم خاصة في المناطق النائية المهمشة، يرأس مركزا لتعزيز اللغة الدارجة في منظومة التعليم ويدعو لإلغاء العربية الفصحى كلغة تدريس في مراحل التعليم الأولى.

كيف يمكنني أن أقتنع أو أقنع آخرين بعدم تضارب مصالح هذا الرجل؟ كان هذا شغلي الشاغل قبل اللقاء وخلاله وبعده.

منذ اعتلى الملك محمد السادس العرش أواخر القرن العشرين والمغرب يحاول تغيير وجهه سياسيا واقتصاديا في غمرة أحلام يقول البعض إنها "أحلام يقظة" بالتحول إلى فئة البلدان ذات الاقتصاديات الصاعدة. لكنها مقاربة أثارت عليها الكثير من الآراء والملاحظات بل والانتقادات حتى من بعض أفراد الأسرة المالكة، عن مدى الجدية في بلوغ الهدف الاستراتيجي لإقامة دولة الحق والقانون.

فتوسع الاقتصاد يثير بالضرورة قضايا العدالة الاجتماعية وطبعا كان اختبار حركة 20 فبراير المطالبة بالإصلاح الدستوري في خضم الربيع العربي، وركب العاصفة من ركبها، حتى كان أن اضطر الملك نفسه للتساؤل: أين الثروة؟ والإقرار بأن ديناميكية الاقتصاد وال"البيزنس" والتجارة لم يشمل خيرُها كافة شرائح المجتمع المغربي!

وفي هذه الأيام كلف الملك لجنة من الخبراء المغاربة جيء بهم من كل حدب وصوب بمهمة صياغة نموذج تنموي يحقق العدالة الاجتماعية، في ظل نظام من اللامركزية الإدارية والجهوية الاقتصادية، وبعبارة بسيطة وضع خارطة طريق لتنمية اقتصادية اجتماعية عادلة.

"لكن أنّى لهذه الأهداف الطموحة أن تتحقّق بينما لاتزال الرشوة والمحسوبية واقتصاد الريع تفعل فعلها في الواقع المغربي" يقول الرأي الأخر! كيف وأحزاب المغرب تتهافت على المكاسب السياسية والبلاد تستعد لانتخابات لا محالة أنها لن تكون كسابقاتها؟ كيف والمجتمع المدني كمن في حقل ألغام يحاول أن يكون له دور ويُسمعَ له صوت، دون تفجير الألغام!

في هذا المناخ يقول نورالدين عيوش بفتح باب الحريات الفردية على مصراعيه بما فيها حرية الإنسان في جسده وفي إقامة "علاقات خارج رباط الزوجية" و "علاقات مثلية" ويرفض رأي منتقديه بأن تلك دعوة للفوضى، بل هي في رأيه شأن "بين الخالق والمخلوق" لا يجب أن تتدخل الدولة فيه! ينفي عيوش عن نفسه تهمة "فرانكوفوني في غزوة على اللغة العربية" بنشاطه الميداني في التدريس باللغة الدارجة واستبعاد الفصحى من التعليم في مراحله الأولى، لا يتردد عيوش في اعتبار الحكم بسجن الصحفي توفيق بوعشرين ل خمس عشرة سنة "عارا على المغرب" الطامح لصورة بلد الحريات والديموقراطية، ولا يتردد في وصف الحكم على الصحفية هاجر الريسوني بأنه كان "انتقاما منها" علما أن الملك عفا عنها، ويتساءل عيوش، دون خوف، كيف يكون الملك رئيسا للسلطة القضائية بينما في سلك القضاء أناس يتصرفون على نحو لا يتسق تماما مع مباديء الديموقراطية والعدالة؟ ويتمنى أن يقوم في المغرب قضاء حر مستقل، بدل اللجوء للعفو الملكي لأن مثل هذا الوضع ليس من الديموقراطية في شيء!

بقي شيء! عندما بدأت دراستي الجامعية في جامعة القاضي عياض مطلع الثمانينيات، لم يكن أحد من المغاربة ولا نورالدين عيوش ليجرؤ على قول مثل هذا الكلام أو الكتابة عنه، ناهيك عن أن يستغرب له.

لن أطيل عليكم احكموا على الأمور بأنفسكم في لقاء بلا قيود مع نورالدين عيوش وأخبروني إن استغربتم؟

برنامج بلا قيود يبث يوم الأحد الساعة الخامسة والنصف مساء بتوقيت غرينتش على شاشة بي بي سي عربي ويعاد على مدار الاسبوع.