قصة كائنـــــــــــــات

قصة كائنـــــــــــــات

قصص على الهواء هي مسابقة القصة القصيرة التي تجريها بي بي سي مع مجلة "العربي" التي نختار فيها كل اسبوع قصة ً جديدة وكاتبا جديدا.

القصة الفائزة تنشر هنا في هذه المساحة وعلى صفحات مجلة العربي، كما تقدم المجلة مبلغا رمزيا للفائز قدره مائة دولار امريكي..

شروط القصة بسيطة وهي الالتزام بخمسمائة كلمة كحد اقصى، ويمكنكم أن ترسلوا نسخة إلكترونية من القصة لبي بي سي إكسترا على العنوان التالي: bbcxtra@bbc.co.uk أو او لمجلة العربي. إنها فرصة لنا للاستماع إلى قصص قصيرة مكتوبة بأقلامكم أنتم على الهواء.

القصة الفائزة هذا الأسبوع:

كائنـــــــــــــات

محمد رفاعي

سربت أولادي فرادى إلى أقاربهم ، فارقتني قرينتي هاربة إلى ذويها ، تحمل رضيعها . هجرت بيتي ، جلست أمامه ، فوق المصطبة، مسنداً ظهري إلى ساق نخلة وحيدة، لم يقصفها الريح . على مقربة منها شجرة غرسها جدي ، أيام هبة عرابي ، تقلصت أغصانها ،وتساقطت أوراقها ، يسكنها البُوّم ، معلقاً الآن فوق رأسي. باتت المصطبة مهجورة ، لسنوات مرت، كانت مرتعاً للفيران.

قاطعت الدكة المركونة بجوار حائط البيت الموبوء التي اعتدت الجلوس عليها، حين يرمى الحائط ظله إليها.

رَمَمَتُ المصطبة ، حشوت جّحورها بنتفا من الحجارة، صارت تلك المصطبة سريري ومكمني ، تحت جدارها سكنت حاجاتي القليلة، في ظلها نصبت موقدي ، جاء المسنون، جلسوا بجواري ليستريحوا قليلا ،، يواصلون السير إلى حقولهم ومرابط بهائمهم ، بعضهم خالط جدي الكبير ، قاسموه خبزه وماءه .

قال لي أحدهم : إنه نفس المكان الذي أقام فيه جدي مجمرته، غير أنني لم أعد لهم شيئاً ذا بال ، القليل منهم شرب على استحياء قدحاً من القهوة أو الشاي، مجمرة جدي لا ينطفئ نارها ، وقدورها لا تفرغ ، يُطْعِم المسافر ، ابن السبيل والفقراء ومريدي الشيخ القريب.

لم يثرني منظر الكائنات الصغيرة المتناثرة في فضاء البيت ، في البداية اعتقدت أن المبيد الذي نستخدمه حوّل الناموس إلى نوع غريب يقاوم حرب الإبادة التي نشنها ضده. كنت أعرف قدرة هذه الكائنات على المقاومة ، أوقن استطاعة هذه الحشرة على التحول السريع والغريب إلى كائنات متباينة الأطوار ، وقادرة على التوحش.

في المساء أمطرت فناء البيت وحجراته، بمزيد من المبيد، بقيت تلك الكائنات صامدة وعفية، هربت من رائحة خلفها المبيد ، قبعت برهة في سقيفة البيت الوحيدة ، جلست على الدكة، أتأمل السماء / السقف فوقى، عاودت الركض نحو حجرات البيت ، افتح ضلف النوافذ والكوّات، يدخل هواء قليل ساخن لا يستطيع أن يُحرك طبقات الهواء الراكد الثقيل، لم يستطع ظلال النخيل والشجر كسر سخونته.

نهضت تلك الكائنات تحوم حول وجهي، تهاجمه كجائع، لم يذق طعاما منذ دهر، هرعت إلى عصا طويلة ، ساكنة فئ ركن الحجرة ، سقطت الواحدة تلو الأخرى، خارت قواي، لم أستطع كبح توحشها، تراصت حولي، تحاول سد الثغرة التي صنعها جسدي في كيانه المتماسك ، انسحبت إلى الخارج ، وأغلقت القاعة ، جلست في السقيفة، أحاول ممارسة طقوسي ، لم استطع القراءة في كتاب قابع تحت الوسادة أو ممارسة شئ إعتدت عليه .

يثيرني منظر الخفافيش التي تحيل فضاء البيت إلى كتلة متجانسة اللون تُعلن وجودها ، ربما لأول مرة بحركاتها الدائمة والمتلاحقة في الاتجاهات الأربعة، وهبوطا وصعودا .

في أيام قليلة صار البيت مرتعا للخفافيش التي شاركتني قوتي ونفسي، شعرت باختناق وضيق لازمني طيلة الوقت، لم أقو على غمض عيني لحظة، صارت أيامي قلقا مزمنا لا شفاء منه بدا لي إني أحوم حول كيانهم ولا أقوى على اختراقه .

تطورت الحشرة أمام عيني بشكل لم أره من قبل في تاريخ تلك الكائنات، ديدان بدت لي في غريبة ، ملساء وذات حرافيش وأجنحة ، بات المكان حكرا لهم ، وصار البيت مقبرة .... الخروج أصبح حتميا.

عادت قرينتي تلبى حاجاتها الضرورية ، رأتني وأشيائي على قارعة الطريق .... وشوحت في وجه عابر سبيل ، قابع تحت ظل النخلة ، علا صوتها بنحيب منكسر ، أمرتها أن تلملم أشياءها التي جاءت بها ... وتذهب فى التو إلى سبيلها ولا تسمعني صوتها النواح مرة أخرى .

صامت تأملتها ، تحمل أشياءها ، وقد وهنت وغرب بريقها وبدت لي أرملة فقدت عزيز، ماتت رغبتها في الحياة ، رأيت شبحها يختفي مع انحدار الطريق.