قصة زجاج

قصة زجاج

قصص على الهواء هي مسابقة القصة القصيرة التي تجريها بي بي سي مع مجلة "العربي" التي نختار فيها كل اسبوع قصة ً جديدة وكاتبا جديدا.

القصة الفائزة تنشر هنا في هذه المساحة وعلى صفحات مجلة العربي، كما تقدم المجلة مبلغا رمزيا للفائز قدره مائة دولار امريكي..

شروط القصة بسيطة وهي الالتزام بخمسمائة كلمة كحد اقصى، ويمكنكم أن ترسلوا نسخة إلكترونية من القصة لبي بي سي إكسترا على العنوان التالي: bbcxtra@bbc.co.uk أو او لمجلة العربي. إنها فرصة لنا للاستماع إلى قصص قصيرة مكتوبة بأقلامكم أنتم على الهواء.

القصة الفائزة هذا الأسبوع:

نص " زجاج"

لبوادربشير

اليوم..اشتريت ثلاثة فساتين، قفازين من الساتان واربع قبعات..

تسكعت بين محلات (باريس)..مارست كل ما امارسه كل يوم..

ولكن بموت اكثر هذه المرة..

عندما تعبت السيدتان اللتان تتسكعان معي..جلسنا على ناصية مقهى عربي..

طلبتا قهوة تركية وبعض فطائر عربية..مهوستان هما..بكل ماهو عربي..

يمارسن انتماءهن لجذورهن بتناول بعض القهوة والفطائر..في مقهى عربي..مقابل لـ:(شانيل)و(لوي فوتان) و(فالنتينو)..!!

يدخن الشيشة برقي..ويرتشفن القهوة برقي..ويتصرفن تماما كسيدات مجتمع غبيات..اعني راقيات..!!

وأنا..مثلهن..ابعثر شعري الاسود الطويل..وارتدي نظارة مرصعة بالماس والجواهر..اثرثر معهن بالفرنسية..

يأتي الجرسون..فيضحكن له..يسأل بالعربية:

"ماذا احضر لكن؟؟"

فيقلن:"ماذا لديك؟؟!!"

وعندما ياتي الي..لا امازحه..ارد عليه بالفرنسية..!!

ينظر الى سمرتي ويدرك انني عربية ايضا..يعيد سؤاله..

فأكرر طلبي بالفرنسية..

ينصرف شاعرا باهانة ما..تقول احداهن:

"ما بك؟؟ تحدثي بالعربية من آن الى آخر..ستنسينها هكذا"..!!

ابتلع بصمت ضحكة ما..

انظر اليها..الى فستانها القصير، وجسدها العربي المكشوف..افكر بسخرية :"الم تنسها هي؟؟!!"

ابتلع سخريتي مع القهوة..

اتابع ثرثرتهن..اشارك في كل ما يقلنه..

ثلاث ضحكات..عشر ابتسامات..ست شهقات دهشه..

ثم نغادر المقهى..

ادرك في الطريق انني اديت دوري ببراعة..كعادتي..!!

في التاكسي اقول للسائق:"الى المنزل ارجوك.."

يبحلق في وجهي بذهول..فأدرك انني قلتها بالعربية..!!

اعيدها بالفرنسية..واعطيه العنوان..

استلقي على المقعد الخلفي..اذكر جملة المرأة..

"ستنسينها هكذا.."

ابتسم..مرتين..ثلاثا..

ثم ابكي..!!

هكذا ..دفعة واحدة...!!

...

"ما رأيك بهذا الفستان؟؟"

"رائع"..

يقولها دون ان يلتفت جيدا..وهو يعدل ربطة عنقه..

"اليس مكشوفا من الظهر قليلا؟؟"

"لا..لا..يبدو جميلا عليك..فقط اسرعي.. لا اريد ان يصل الضيوف وانت هنا"

اضع بعض البارفان على عنقي ويدي..انظر الى المرآة..الى وجهي المشدود بعناية..

اليوم..ضيوف زوجي سيأتون..يقيم حفلا ما..ويجب ان ابدو مدهشة وجميلة..ان اضاهي حسناوات (باريس)..بل اكثر من ذلك..ان اثير غيرتهن..!!

اكمل زينتي..وانزل الى البهو..استقبل الضيوف..استبدل وجهي بوجه أخر..

اهمس لنفسي:"فليبدأ المرح!!"

اتنقل بينهم..ابتسم لهذا واضحك مع ذاك..اهز رأسي باهتمام..

واتحدث عن كل شيء:الطقس-سعر المجوهرات-المطاعم الجديدة..!!

يعرفني زوجي على مديره..فأبالغ بالابتسام امامه..

تتفحصني عيناه بشراهة..

(ينشق وجهي فجأة من شدة الابتسام..)

ينحني الرجل ويطبع قبلة لزجة على يدي..

(يدمي وجهي..يزداد الجرح ويؤلمني ..)

ولكني احافظ على اتساع ابتسامتي..

"زوجتك جميلة مسيو(----)"

يبتسم زوجي ببلاهة مطلقة..

اشعر بالغثيان,,انسحب بسرعة..يتناهى الي صوت المدير:

"كم سعر زوجتك مسيو(---)"!!

يضحك الجميع..

اركض الى غرفتي..اغلق بابي بشدة..اتكوم فوق السرير..

اصرخ بلا صوت:"كفى..كفى..ارحلوا.."

تستحضرني عينا زوجي..الباردتين..

"قبلني الرجل.."!!

"ثم ماذا؟!!"

"أمامك.."!!

"ثم ماذا؟؟!!"

ابحث عن شيء ما في نظراته..في صوته..لاشيء ..لاشيء..

اذكر حديث المرأة:"لابأس ببعض من العربية".."ستنسينها هكذا.."

فابكي وابكي..المرأة الحمقاء..تظن اني تحولت مثلها دمية باريسية

لاتعرف اني احمل العربية بداخلي..

قلبي يحملها..ولكن لساني يحمل لغة اخرى..

ويؤلمني الأمر..يمزق افكاري..

وفي وسط الفوضى..تأتي انت..كشيء خلت اني نسيته مع مجمل ما نسيت..

تنظر الي..بشيء من الحنان والغضب والشفقة..

لا احتمل نظرتك..اشيح بوجهي عنك..

ثم أعود ببطء وانظر اليك..لا اجدك..

اصيح:"عد..عد..لاترحل..لاتتركني.."

تختفي رويدا رويدا..انبش عنك بداخلي..فاجدك..في تلافيف ذكرى ما..داخل رأسي..

كصورة زجاجية..

أخرجك بلطف..أقبل زجاج الصورة..احتضنه..فيتكسر بيدي..

افزع..لا يهمني الالم المتدفق من يدي..بل صورتك المبعثرة على بلاط غرفتي..اعيد لصقك بعناية..

اصلح الصورة..اضعها تماما قرب رأسي..

أحدثك بالعربية..أخرج شريطا عربيا..وجدته بداخلي ايضا..

اعرف انك تحبه..اديره..تتناهى الي اصوات حفلة البهو..

ارفع الصوت كثيرا..وارقص على انغامه العربية..

تبتسم انت في اطارك الزجاجي..تنحدر قطعة من زجاج الصورة..تسقط..فأشعر انك حزين..

اعيد لصقها..فتبتسم مرة اخرى..

يدخل زوجي بهدوء..يخلع ربطة عنقه وبدلته..

لابد ان الامسية انتهت..

ادرك انه لا يسمع شيئا ولا يرى ما يحدث بداخلي..

وعندما يستلقي على السرير..يدرك وجودي..فيقبلني قبلة النوم..

أتذكر مديره..فيعاودني الغثيان..افرغ كل مافي جوفي..

لا يغضب زوجي..لايستنكر..ولايندهش..

يذهب الى الحمام..يغسل منامته..

ثم يعود..بذات الهدوء..!!

يقول قبل ان يطفيء النور:

"لا تنسي ان تذهبي الى الطبيب غدا.."!!

أنهي انا الحفل بداخلي..اعيدك الى تلافيف ذاكرتي الزجاجية..

اقرر ان انساك تارة اخرى..

دمعة واحدة..اثنتين..ثلاثا..ثم لاشيء..

ازيل آثار الدماء من يدي ووجهي..اشده جيدا..

ثم انام..

لكنني في نومي..احلم..واحلم..احلاما عربية..

تدلف المرأة الى حلمي فجأة..تقول:

"تحدثي بالعربية من آن الى آخر.."!!

ثم تضحك..ضحكة ساخرة..

استيقظ من نومي بفزع..استعيذ بالله..

انقلب الى الجهة الاخرى..

وانام..

يراودني الحلم ثانية..

ازجر نفسي..

ثم أحلم..

ولكن..

بالفرنسية هذه المرة..!!