جهازك لا يدعم تشغيل الفيديو

مسابقة بي بي سي اكسترا للقصة القصيره

قصص على الهواء هي مسابقة القصة القصيرة التي تجريها بي بي سي مع مجلة "العربي" التي نختار فيها كل اسبوع قصة ً جديدة وكاتبا جديدا.

القصة الفائزة تنشر هنا في هذه المساحة وعلى صفحات مجلة العربي، كما تقدم المجلة مبلغا رمزيا للفائز قدره مائة دولار امريكي..

شروط القصة بسيطة وهي الالتزام بخمسمائة كلمة كحد اقصى، ويمكنكم أن ترسلوا نسخة إلكترونية من القصة لبي بي سي إكسترا على العنوان التالي: bbcxtra@bbc.co.uk أو او لمجلة العربي. إنها فرصة لنا للاستماع إلى قصص قصيرة مكتوبة بأقلامكم أنتم على الهواء.

......................................................................................

سوق يوم السعد

أرسلت الشمس خيوطها متدرجة في إشاعة جو دافئ لبداية أبريل الربيعي .. حالفه الحظ ليكون في " إنزغان " ، ففيها يعقد تجمع سوق شعبي كبير مرة في كل أسبوع .. تصير " إنزغان " قبلة لسكان أغادير وما حولها ..

كان من المفروض عليه أن لا يبرح المقهى ليتسنى له ملاقاة مسعود ، فهو الكفيل بحل مشكلة انقطاعه عن العمل ، وبعث أمل جديد ، بعدما انتهت المهلة المؤقتة للصيد في أعالي البحار بشركة مغربية- إسبانية بميناء أغادير .

في اللحظة الراهنة يشعر أن أحمال الأرض كلها وضعت فوق ظهره ، فالشعور بالتعطيل عن العمل قاس ، لا يدرك حقيقته ومرارته إلا من تجرعه في أحلك الظروف ، ومهما تحدثت مع شخص لم يذق هذه المرارة، فإن كلامك معه كمن يستمع إليك وقلبه أصم .

مسعود مر بمراحل دامسة ، لم يجد فيها فلسا ينفعه . ما أن اطلع على دخيلته حتى تجاوب معه وقاسمه همومه ، فقرر مساعدته .. قال له أحدهم بالمقهى :

- وما عسى أن يصنع لك مسعود ؟!

رد عليه بتفاؤل لا يفارقه :

- مسعود يملك مركب صيد تقليدي بالساحل .. وعمل مدة ثلاثين سنة بميناء أغادير، فلا بد أن تكون وساطته نافذة ...

كان الصباح جميلا تتخلله حياة متكررة بنفس نهار جديد على إيقاعات ضجيج الباعة المعروضة سلعهم على قارعة الطريق .. السوق امتلأ بزواره شيئا فشيئا .. اكتسى بهرجته ونشاطه .. ازدادت حيويته بتعالي أصوات الباعة ليلفتوا انتباه المشترين إلى سلعهم .. تداخلت الأغاني والموسيقى الأمازيغية النبعثة من هنا وهناك .. راسمة بألحانها العذبة ما يشبه مهرجانا ساحرا للموسيقى الأمازيغية السوسية ، وعلى نشوة هذه الألحان تمر بين الفينة و الأخرى – أمام المقهى – بعض الحسناوات ، فيظهر السوق في أفتن بهرجته .

" تأخر مسعود " . قالها وهو ينظر إلى ساعة المقهى الحائطية . صحيح بأنه لم يحدد ساعة بعينها مع مسعود ، لكن الساعة الآن قاربت الحادية عشرة .. فمتى يأتي ؟ .. ربما أخره أمر مستعجل ..؟ .

شرب كأس الماء وأتبعه الفنجان يرتشف قهوته بكل شوق ، فطاف به الحنين إلى ركوب موج أعالي البحر ، فعلى الرغم من مشاق العمل داخل سفينة تعمل ليلا ونهارا ، لتخرج ما يزخر به البحر من خيرات ، فإنه اشتاق إلى الشباك ومعانقة الصناديق المملوءة بكل نوع سمك قشري أو رخويات .. يلفف بالبلاستيك ، ويسجل نوعه ووزن الصندوق ، وتلصيق وجه التصدير ..

استعاد بحنينه فترات الراحة القصيرة الممنوحة أثناء العمل داخل السفينة.. يتاح له خلالها أن يسبح بتأملاته مستشرفا آفاق البحر الممتدة .. ينتابه خلالها شوق الرجوع إلى اليابسة بعد شهرين أو أكثر فوق الماء .. ما ألذ أن تتذوق معنى الراحة بعد تعب طويل ! .

كان مكوثه مدة طويلة بالبحر لا يشعره بالملل والرتابة ، وإنما بالمشقة الجسدية ، فيسرح مسافرا باستغراقاته عبر أجنحة التأمل والتخيل والتفكر ، ويزداد هذا الامتداد اللامحدود لعالم الأمواج عندما يجن عليه الليل ، فيكثر سفره في عوالم الامتداد وينتهي به إلى الإقتناع بأن السفر لن ينتهي ولن يشبع نهم التأمل .

ارتشف القهوة ، وقال : " تعب كلها مهنة جر الشباك ومراقبة الصناديق المتراكمة آناء الليل وأطراف النهار ." .

هاهو الآن في راحة قصيرة بالمقهى ، يذكر هذا التعب ويصطفي منه إمتاع البحر ومؤانسة آفاقه وظلماته المجهولة ، فيقول لنفسه : " تعب بلذة سفر تأملي وعائد مالي خير من هذا التعطيل .. " .

أمارات استثقال تعطيله عن العمل بدت واضحة ، فإذا أريد للإنسان أن يموت في داخله كل شيئ حي أو تخنق أحلامه وتغتال كل مواهبه وملكاته ، فما عليك إلا إعدامه بحبل الجلوس بدون عمل .

كان من المفترض – حسب رأيه – أن يلج عالم البحر والصيد منذ أن بلغ الثامنة عشرة من عمره ، وما كان له أن ينتظر حتى يحصل على شهادته الجامعية العليا ، فتنسد أمام وجهه كل الآفاق المستقبلية التي تطلع إليها إبان كفاحه الدراسي ، فقطع هذه الأشواط والرجوع إلى أشياء كان على المرء أن يخوض مشاقها وتجاربها في سن مبكرة وبيسير من المستوى الدراسي ، لهو من أعظم الغبن الذي يمكن أن يحسه كل من في مثل حالته .. وجد نفسه في نهاية المطاف في البحر مع بحارة لم يضنوا أنفسهم بالدراسة كثيرا ، وهم أقدم منه في مهنة الإبحار ، ولا يأسفون على شيئ من أمر ماضيهم لأجل مستقبلهم ..

فعلام يأسف هو الآن ؟ .. هل يأسف على عدم الاستمتاع بتجربة البحر باكرا ؟.. أم تراه يتحسرعلى متابعة دراسته دون أن يظفر بما تطلع إليه ؟ ..

هو لا يتحسر على متابعة الدراسة ، فالدراسة لم تقترف ذنبا لا بيديها ولا برجليها ، وعكس ما تصوره قبل خوض تجربة الإبحار بمشاقها ، فقد وجد نفسه بين رفاقه البحارة هو الأقدر على أن يقدر شرف هذه المهنة حق قدرها ، وأن يغازل ويفهم طلاسم البحر غير المنتهية ، ويتجاوب مع سحر امتدادات أمواجه المتراقصة أحيانا والساكنة حينا آخر.

هو بين رفاقه معزز محترم ، بل محسود على نعمة استطعام عذوبة تأمل واستكناه آفاق البحر .. كل ذلك عنده يقضي على رتابة الإبحار الطويل المدى ، فيما يسري في أفئدتهم الملل . ومبلغ تقديرهم وحبهم له يصل إلى حد خلق جو الخلوة مع نفسه في فترات الاستراحة لينفرد بتأملاته ، أو يبدع بعض السطورعلى أوراق ، يجري فوقها مداد التأمل الممزوج بندى البحر بكل عفوية ويسر .

استفاق من كل هذا ليعود إلى ربط اتصاله بالسوق وازدحامه .. نظر إلى ساعته ، فوجدها تشير إلى الثانية عشرة " تأخر السيد مسعود " .. قالها بقليل من اليأس ، فلن تبلغ درجة يأسه أكثر مما بلغته وهو ينتظر لسنوات أن ينعم بعمل مستقر .

هو لا يحلم بعمل ينسجم مع ميولاته أو يتناسب مع مؤهلاته .. لا يحلم سوى بعمل ثابت يضع حدا لكل الأشباح المطاردة له .. تخيفه بتقدم عمره .

دخل فجأة مسعود .. سحب له كرسيا .. ارتاح ملتقطا أنفاسه ، لكن وجهه كان يسطع ببريق ابتسامة لافتة .. قدم مسعود عذر تأخره .. هو سعيد بأن زوجته قد وضعت اليوم حملها .. قال فرحا : " وضعت مولودا .. وضعته أخيرا .. والحمد لله على هبته .. " .

طالما انتظر مسعود لمدة عشرين سنة تحقيق هذه الأمنية .. كان هذا الخبر أشد فرحة لديه ، فلن يبخل مسعود في غمرة سعادته أن يسدي له خدمة .. أمر مسعود بأن توزع المشروبات على جميع من بالمقهى .. خرجا من المقهى .. وصلا إلى بيت الرايس " موحا " .. ناوله مسعود رسالة مكتوبة .. ستمكنه العمل بشركة تفريغ وإيداع للصيد بميناء " طانطان " .. صاحب الشركة من أقرباء الرايس " موحا " ...بعد أيام سيذهب الرايس موحا إلى طانطان برفقته .. سيتم تمتيعه بعمل مستقر .

شكر كثيرا أفضال مسعود ، ، ثم انطلق كالريح قاصدا سوق إنزغان .. دخله فوجده أبهج مما سلف ، وشعر بأن يوم السوق .. يوم سعد لديه .

محمد الزاكي . المغرب