جهازك لا يدعم تشغيل الفيديو

قصة الطابور

قصص على الهواء هي مسابقة القصة القصيرة التي تجريها بي بي سي مع مجلة "العربي" التي نختار فيها كل اسبوع قصة ً جديدة وكاتبا جديدا.

القصة الفائزة تنشر هنا في هذه المساحة وعلى صفحات مجلة العربي، كما تقدم المجلة مبلغا رمزيا للفائز قدره مائة دولار امريكي..

شروط القصة بسيطة وهي الالتزام بخمسمائة كلمة كحد اقصى، ويمكنكم أن ترسلوا نسخة إلكترونية من القصة لبي بي سي إكسترا على العنوان التالي: bbcxtra@bbc.co.uk أو او لمجلة العربي. إنها فرصة لنا للاستماع إلى قصص قصيرة مكتوبة بأقلامكم أنتم على الهواء.

........................................................................................

القصة الفائزة لهذا الأسبوع:

الطابور

الطابور ممتد أمامي وخلفي أراني داخله منذ زمن طويل. ربما أسبوع أو أسبوعان.. شهران.. سنتان، ثلاثة، لا أدري فربما كان ولايزال ما يحدث لي حلم أو كابوس. ما أعرفه أشعر به أنني داخل الطابور ووسط الزحام القاتل، وركبتاي وقدماي تئنان من وطأة الوقوف الطويل، وروحي تكاد تنسل مني وأنا أختنق أوأكاد من الزحام ومن مرارة وملل الانتظار.

وعندما يطول الانتظار، ويهد التعب الحيل دونما أي فرصة للاسترخاء أو انفراج الطريق إلى الشباك، عندما تظل مطحوناً بين أكتاف وأيدي تحاول دفعك للأمام وعندما، وعندما يسيح العرق على وجهك مثلي ومثلهم، وكالعرق تسيح الأفكار هي الأخرى كالعرق مع بعضها البعض في دوامة ملل وتأخذك بعيداً عن هدف مرتقب تناوش الوصول إليه موجات من اليأس والقنوط كموجات هذا الزحام المتكاثف، أو كموجات البحر الهائج الذي يرفع الغريق المرة تلو المرة ليقذف به المرة - أيضا - تلو المرة إلى قاع البحر.

معقول هذا الذي يحدث لي ولكم يا رفاق الطابور؟ لا.. أنا بالتأكيد أحلم في منامي، أعايش كابوسا ليلياً، وما شعوري اليقيني والتام بأني داخل هذا الطابور المتكاثف إلا شعور النائم يحلم متيقنا في حلمه أنه يعايش حقيقة وليس مناماً، وهل يدرك النائم أنه يحلم أو أنه لا يعايش فعلياً ما يراه إلا بعد أن يصحو من نومه؟

نعم.. الأفكار تسيح، تتداخل ثم تتماهى في دوامة عبثية يحركها الملل وشعور القرف مع طول الانتظار ربما ما أشعر به هو هذيان فكري نتيجة هذا الانتظار الطويل حتى أنني أتصور - في هذياني - أنني أحلم تارة أو أنني أختنق تارة أخرى. أتفلسف أحيانا فأقول أو أفكر - ولا أجد في وضع المأزوم جداً شيئاً من سعة الصدر يجعلني مهتماً حتى بالتمييز بين قولي وتفكيري - أننا ومنذ مولدنا وإلى مماتنا نعيش حالات من الانتظار تلو الأخرى.

أنساني الملل وطول الانتظار وعبثية الأفكار هدفي. لم أنا هنا إذا كنت حقيقة أقف في هذا الطابور؟ أعرف أنني ومنذ زمن أقف في هذا الطابور الخالد، ربما من ساعة أو ساعتين وربما من أسبوع أو شهر، وربما من سنة أو سنتين، لم أعد أحسب الوقت فتكرار مشهد الطابور الممتد كتكرار أي شيء يفقد الرغبة في حساب الزمن أو تحديد المواقيت.

لم يعد يهم إن كنت أقف في طابور هذا الكشك أو وراء هذا الشباك أم في غيرهما، فلكم وقفت في الطابور الطويل نفسه، ووقفت كثيراً وكثيراً، هو طابور أعرفه والله منذ وعيت على وجودي ف هذه الدنيا. نعم.. لم يعد يهم إن كنت أقف أمام فرن أنتظر أرغفة الخبز المدعم، أم أمام مكتب تنسيق القبول بالجامعات أنتظر مستقبل غامض بعد سنوات الدراسة المضنية، أم أما جمعية استهلاكية، أو أمام مكتب ما أو مؤسسة أخرى أنتظر دوري في المقابلة الشخصية اللعينة لأحصل على فرصة عمل مراوغة.

أخرج من أفكاري لأدخل في أفكار أخرى، يراوغني الأمل، يختفي ويعود مع أفكار جديدة كضوء البرق سريع الظهور سريع الاختفاء وربما كسراب لامع كاذب في طريق صحراوي طويل ولأجدني مرة أخرى أسدد عيني إلى الشباك وأعود لأتابع خروج شخص بصعوبة من بين الحشد المتكتل أمام الشباك ذي الانفراجة الضيقة البادية من بعيد. خروج الشخص يحدث خلخلة خفيفة جدا بين الواقفين ليعود انضغاط الأجساد الملبدة بالعرق في بعضها البعض أنظر مرة أ خرى للطابور أمامي فإذا به لايزال طويلاً ممتداً لم يؤثر فيه خروج شخص واحد.

شخص آخر يعود ليحتل مكانه مرة في الطابور بين صيحات احتجاج الواقفين الذين يرد عليهم بصياح آخر قائلا إنه استأذن من مسئول الشباك في الخروج ليستكمل أوراقا أو يحضر شيئا آخر لا أدريه طلبه منه ذلك المسئول. لم أعد أهتم بسبب خروج هذا الشخص أو عودته، الهم أن الطابور مازال ممتدا.

منذ زمن وأنا أسعى في الحصول على إحدى شقق المحافظة ومازلت لأجل ذلك أقف في طابور السنين، طوحتني أفكاري العبثية إلى احتمال أن أكون الآن واقفا في هذا الطابور لم لا؟ مع الوقت فقدت القدرة على التمييز بين الطوابير، إذا لم يكن ما يحدث لي هو كابوسا ليليا، أفيكون هذا الخلط العبثي بين الأفكار وفقدان القدرة على تمييز الطوابير من بعضها عرضا لمرض نفسي أو عقلي أشكو منه وظهرت أعراضه على قبل وقوفي في الطابور أوبسبب وقوفي في الطابور في حد ذاته؟

أحاول أن أطرد أفكاري تلك كلها من ذهني وأن أتلهى عنها بالنظر في وجوه رفاقي في الطابور، لدهشتي ألاحظ أن ملامحهم تأخذ في التقارب شيئا فشيئا مع بعضها البعض ومع ملامحي.

ثمة بريق منطفئ في العيون وشفاه مضمومة على تعبير بائس وتجاعيد محفورة على الجباه المقطبة وممتدة على الخدود لأسفل تحيط بالشفاه المضموموة، أما العيون ذات البريق المنطفئ فيبرق فيها بين الحين والحين وميض ساخط محمل بسؤال استنكاري، حاولت بفراستي مرارا فض السؤال فوجدته في كل مرة هو هو نفسه السؤال المعلق برأسي منذ سنين طويلة، سؤال يجأر بداخلي قائلا: هل يتقدم طابورنا ككل طوابير العالم خطوات إلى الأمام، أم هو في كل مرة يتقدم بن خطوة واحدة للأمام كي يتراجع بعدها خطوات إلى الوراء؟