جهازك لا يدعم تشغيل الفيديو

قصة شجرة التوت

قصص على الهواء هي مسابقة القصة القصيرة التي تجريها بي بي سي مع مجلة "العربي" التي نختار فيها كل اسبوع قصة ً جديدة وكاتبا جديدا.

القصة الفائزة تنشر هنا في هذه المساحة وعلى صفحات مجلة العربي، كما تقدم المجلة مبلغا رمزيا للفائز قدره مائة دولار امريكي..

شروط القصة بسيطة وهي الالتزام بخمسمائة كلمة كحد اقصى، ويمكنكم أن ترسلوا نسخة إلكترونية من القصة لبي بي سي إكسترا على العنوان التالي: bbcxtra@bbc.co.uk أو او لمجلة العربي. إنها فرصة لنا للاستماع إلى قصص قصيرة مكتوبة بأقلامكم أنتم على الهواء.

........................................................................................

القصة الفائزة لهذا الأسبوع:

شجرة التوت

هكذا بدأت الأفكار تطاردني وأنا في كثير من الحيرة والتردد، وفي لحظة كلها أنانية وجحود حملت فأسي عاقداً النية على إنهاء ما عزمت عليه لأهوي بها على جذعها وأنا أضرب وأضرب وشعرت أنني كمن يحفر في جسده ويقطع في قلبه.

كانت قطع لحائها تتطاير كنتف الثلج وكنت أشعر أنّ دمي يتطاير معها.

حاولت التراجع، ربما سمعت صراخها.. ربما كان صراخي واستغاثتها وحشرجتها. هي صابرة كما عهدتها. ربما حل اليباس في مفاصل يدي، لكن الطغيان الذي احتل قلبي دفعني أن أضرب وضرب، ربما سمعت صوت والدي، لمحت طيفه ناظرا إليّ باستنكار وغضب شديدين، ها هم أولادي يراقبون ما أفعل من داخل النافذة التي كانت تغطيها تلك الشجرة العظيمة والدموع تغسل خدودهم المتوردة، ربما سمعت ابنتي الكبرى كنانة تتوسل بابا الله يخليك حرام، ليس لنا إلا شجرة التوت، أنظر كيف كانت تظل باحة الدار؟ كل تلك التوسلات لم تكن لتجدي نفعا مع قلب تحجّر وأنا مازلت أضرب وأضرب حتى هوت شجرة التوت بجذعها الضخم على الجدار المقابل!

جلست أنظر والعرق يغسل جسدي كالخارج من بركة ماء، أنفاسي تعلو وتهبط وأكاد أسمع نبض قلبي نبضة نبضة. أشعلت سيجارة، دقائق وينجلي الضباب أمام ناظري، شجرة التوت أمامي ممدّدة ككومة حطب، والعصافير لتوها غادرت الدار إلى غير رجعة بعد أن كان صوتها يعشش في أذني كلّ صباح، حتى أولاد الحارة لم أعد أجدهم في دارنا عند أولادي كما كانوا دوما حتى ابتسامة أولادي تغيّرت وربما شعرت أنها ضاعت مع غياب تلك الشجرة العظيمة، وها هو طيف والدي الذي تعودت أن أراه في حلمي كلما شعرت أنني في حاجة إليه، قد هجرني إلى غير رجعة.

كل شيء في حياتي تغيّر بعد تلك الجريمة لتي اقترفتها حتى صرت وعن غير قصد أؤرخ الأشياء قبل وبعد موت شجرة التوت، لقد استمرت تاريخاً حتى وفاتها.. الله.. الله.. عندها أيقنت كم كنت صلبا وجحودا وكم كانت جريمتي بشعة.

حتى مزاجي تغيّر نحو الانفعال والعصبية ولأتفه الأسباب وبت أجلس كل يوم في صحن الدار أنتظر ظل شجرة التوت التي لن تعود أبدا

محمد باقر محسن إدلب - سورية