فيروس كورونا: كيف يؤثر كوفيد-19 على أحلام الطلاب حول العالم في دخول الجامعة؟

  • فيسفاك بونافولو
  • بي بي سي
كيف يمكن إيقاف سباق الامتحانات المحموم في الهند؟

وسط ثقافة امتحانات شديدة التنافسية في كثير من دول العالم، يعكف الطلاب لعدة سنوات على الاستعداد لامتحان دخول الجامعة. لكن برغم تركيزهم على الدراسة من أجل تحقيق النجاح، فقد قلب تفشي وباء كورونا المعادلة.

في العاشر من ديسمبر/كانون الأول، كان أكثر من نصف مليون طالب من جميع أنحاء الهند يحضرون لقاء تفاعلياً مباشراً مع وزير التعليم، يبث في وقت واحد عبر فيسبوك وتويتر. وكان الخطاب يهدف إلى مناقشة مخاوف الطلاب المتعلقة بالامتحانات القادمة لدخول الجامعات، والتي يحيط بها الكثير من عدم اليقين بسبب جائحة كورونا.

ورغم أن اللقاء وصف بأنه جلسة تفاعلية، فإنه كان إلى حد كبير عبارة عن طرفين يتحدثان بشكل منفصل دون أن يبدو أن أحدهما يستمع إلى الآخر. وفي حين أشاد الوزير بنظام التعليم في الهند لتجاوزه التحديات التي فرضها انتشار الوباء، كانت تعليقات الطلاب تتوالى عن معاناتهم من أجل التأقلم مع الوضع الحالي ومطالباتهم بتأجيل موعد الامتحانات.

وتتمتع هذه الامتحانات بأهمية شديدة، فنتائجها تحدد المستقبل المهني للطلاب. وكانت الحملات التي تطالب بتأجيلها تحتل مواقع التواصل الاجتماعي تقريباً منذ أن أدى الإغلاق العام الأول في مارس/آذار جراء انتشار وباء كورونا إلى تعليق كافة الامتحانات. ومن الامتحانات التي تم تأجيلها امتحان القبول المشترك الذي يعرف باسم "جيف"، وامتحان أهلية القبول الوطني "نيت"، اللذان يحظيان بأهمية قصوى، ونتائجهما تحدد التأهل للالتحاق بالدراسة في مجالي الطب والهندسة.

ويتميز التعليم في الهند بكونه ساحة تنافسية شديدة، وخصوصا في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات حيث تكون المنافسة على أشدها. ومثلا، معاهد التكنولوجيا المرموقة في الهند تقبل عادة طالباً واحداً من بين كل 50 متقدماً. (وللمقارنة: تقبل جامعة هارفارد طالباً واحداً من بين كل 19 متقدماً، بينما تقبل جامعة أكسفورد طالباً واحداً من بين كل ستة متقدمين).

ومع وجود مئات الآلاف من الطلاب الذين يتقدمون للكليات العلمية المحترمة كل عام، جرى وضع امتحانات صعبة جداً، مثل امتحاني "جيف" و"نيت" خصيصاً لاستبعاد أعداد كبيرة من المتقدمين، ويمكن أن تؤدي خسارة علامة أو اثنتين في مثل هذه الامتحانات إلى تراجع حظ الطالب في القبول بآلاف المراتب.

ويمضي بعض الطلاب معظم سنوات مراهقتهم في الاستعداد لهذه الاختبارات، ويلتحق معظمهم بمعاهد تدريب متخصصة في كيفية اجتياز هذه الامتحانات، والتي يعطون للاستعداد لها الأولوية على أي انشغالات أخرى. وكل هذا على أمل أن يؤدي قبولهم في إحدى الكليات ذات الاسم المحترم إلى حصولهم على رواتب سنوية تبلغ نحو 50 ألف دولار في المتوسط. إنها جائزة تستحق الجهد المبذول لأجلها في دولة يكاد دخل الفرد فيها لا يتجاوز 2000 دولار.

لكن هذا العام، لم يتمكن معظم الطلاب من التحضير للامتحانات كما يلزم عادة بسبب الإغلاق والتحول غير المتكافئ إلى التعليم عبر الإنترنت. وخلال الساعة التي استغرقها لقاؤهم التفاعلي مع الوزير، اشتكى الطلاب من عدم انتظام الاتصال بالإنترنت وصعوبات الدراسة عبر الفيديو، ما جعل متابعة الحصص التعليمية صعباً وكذلك تقييم مستوى جودتها وفعاليتها. ونتيجة لذلك، فإن الكثيرين منهم شعروا بأنهم نظريا درسوا المنهج، لكنهم في الحقيقة لم يفهموا منه سوى القليل، وبالتالي كانوا غير مستعدين كما ينبغي للامتحانات التي تعتبر الأهم في حياتهم.

التعليق على الصورة،

قوبلت محاولات الحكومة لإعادة جدولة الامتحانات باحتجاجات من قبل الطلاب الذين طالبوا بمزيد من التأجيل أو الإلغاء

وتفتقر المعاهد التي تعمل على تهيئة الطلاب لاجتياز امتحانات القبول الجامعي إلى قوانين وأنظمة محددة، وهي تمثل صناعة تقدر قيمتها بنحو أربعة مليارات دولار بحسب أرقام عام 2015، وهي موجودة بكافة الأحجام والأشكال، من سلاسل المعاهد الضخمة التي توجد لها فروع في أنحاء البلاد، إلى تلك الصغيرة التي يديرها شخصان ويقتصر طلابها على أبناء الحي. وفي بعض الحالات، قد يكون اقتصاد مدن بأكملها يعتمد على سمعتها كمستقطب لمراكز دراسة وتدريب جيدة، ومن أشهر هذه المراكز كوتا في ولاية راجستان، والتي تجذب نحو 100 ألف طالب كل عام.

يقول بيندو تيرومالاي، الذي يعمل في مركز الابتكار التربوي والبحث العملي في معهد تاتا للعلوم الاجتماعية في مومباي: "الأمر الوحيد الذي يركزون عليه هو إعدادك لامتحانات القبول بالجامعة، وما يعلمونه للطلاب هو كيفية حل الأسئلة متعددة الخيارات. إنهم يعرفونها جيداً، ويعرفون كيف يجري وضعها، وكيفية التعرف على أنماط الأسئلة، وكيف يتم استبعاد الإجابات الخاطئة بالتأكيد، وكذلك تضييق نطاق الخيارات. هذه هي الأفكار التي يعتمدونها، وهم فعلا يتقنونها".

ومن الصعب للغاية الالتحاق ببعض مراكز التدريب، بل إنها تشترط النجاح بامتحانات قبول خاصة بها. ولاشك أن هذا النهج مرهق بشكل كبير للطلاب.

وتصف رافالي برازاده إيدارا، التي التحقت في بداية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين بإحدى الكليات العلمية من خلال أحد معاهد التدريب، والتي تعمل كمدرسة في واحد من معاهد التدريب الكبيرة، السنوات التي قضتها في التحضير لدخول الجامعة بأنها "مرهقة". وقد كانت الحصص الدراسية التي حضرتها في مدينة حيدر آباد تبدأ في الرابعة صباحاً وتنتهي في العاشرة، وبعدها يمكن للطلاب الالتحاق بمدارسهم. كما كانت قواعد اللباس صارمة وكذلك الارشادات الاجتماعية. وتقول عن ذلك: "سواء بالنسبة لي في ذلك الوقت، أو بالنسبة للطلاب الذين أدربهم اليوم، لا توجد حياة اجتماعية على الإطلاق".

ويعتبر حضور حصص التدريب والتقوية هذه أمراً أساسياً والتزاماً صعباً، لكن العديد من الطلاب يعتبرون أن الجهد الشاق الذي يبذلونه خلال سنوات يستحق العناء إذا نتج عنه قبولهم في مؤسسة تعليمية مرموقة. لكن على الرغم من تصميم الطلاب ورغبتهم القوية في الدراسة والتحضير، فقد أدى انتشار الوباء إلى إفساد مخططاتهم.

تقول ديبشيكا، وهي طالبة في التاسعة عشرة من عمرها: "عندما فرض الإغلاق تقوّض برنامجي الدراسي، وفقدت الاهتمام بالدراسة. كان اهتمامي منصباً على متابعة الموعد الذي يمكن أن يحدد للامتحان". وقد امضت ديبشيكا أربعة أعوام تقريباً في التحضير للامتحان، وطوال أكثر من سنتين كانت تحاول التوفيق بين مدرستها ومواعيد الدروس في المركز التدريبي.

التعليق على الصورة،

أحد المراكز التدريبية المزدحمة بالطلاب في مدينة لوكناو يعرض صور طلابه السابقين الذين حققوا نجاحات مهنية

ورغم أن معظم المراكز التدريبية أكملت تدريس المنهج قبل فرض الإغلاق العام، فقد خسر الطلاب الوقت الذي يخصص عادة للمراجعة والامتحانات التجريبية. وتقول أسفيني ثيلاي، وهي طالبة في الثامنة عشرة من العمر، وقد خصصت سنة كاملة بعد إكمال دراستها المدرسية للتركيز على الاستعداد لامتحان "نيت": "عانينا كثيراً بسبب التحول إلى الدراسة عبر الإنترنت".

ومع أن ثيلاي من مدينة تشيناي الجنوبية، فقد التحقت بمركز تدريب في دلهي، لأنها تعتقد أن وجودها وسط بيئة تنافسية يدفعها للدراسة بشكل أفضل. لكن عندما فرض الإغلاق كان عليها العودة إلى مدينتها، وكان ذلك صعباً. وتفسر الأمر قائلة: "كثيرون لم يتمكنوا من التعود على ذلك. والبعض لم يستطيعوا التركيز على الدراسة لأنهم يعيشون مع عائلاتهم الكبيرة، في حين أن البعض الآخر كانت لديه مشاكل تقنية مع الإنترنت".

وبحسب إيدارا، فإن الشروط التي خلقها انتشار الوباء ألقت بظلالها على الطلاب، الذين كانوا معتادين على النظام الصارم في مراكز التدريب. وتقول: "لقد دُفع هؤلاء الطلاب إلى الدراسة فقط. لقد درسوا لسنوات عديدة معاً، ولم تتضمن حياتهم تقريبا سوى ذلك. وهم بالكاد يحصلون على عشرة أيام من العطلة خلال كامل العام، وفي كل يوم أحد لديهم امتحان تحريري".

وتضيف: "عندما تمنحهم الحرية في هذه الظروف، من البديهي أن يستغلوها. وهكذا، توقفوا عن الدراسة، وأصبحوا يشاهدون التلفاز بكثرة، ويحاولون مشاهدة ما فاتهم من الأفلام خلال السنوات الأخيرة".

وبعد أشهر من تجاهل المشكلة، أعلنت الحكومة الهندية أن امتحاني "نيت" و"جيف" سيعقدان في سبتمبر/أيلول، ما قاد إلى اعتراضات كثيرة من قبل الطلاب، إلى جانب تقارير تحدثت عن عدد من حالات الانتحار بينهم. وبرغم الضغوط الهائلة تجاهل رئيس الوزراء، ناريندرا مودي، القضية، واختار بدل ذلك أن يستخدم خطابه الشهري للأمة لحث المواطنين على تربية الفصائل المحلية من الكلاب. وأعرب الطلاب عن احتجاجهم على ذلك بضغط زر "لم يعجبني" أكثر من 800 ألف مرة على فيديو خطاب رئيس الوزراء المعروض على موقع يوتيوب، ما جعل القناة الرئيسية لرئيس الوزراء تلغي خاصية ضغط زر عدم الاعجاب.

ويقول جيوتيراديتيا رامان سينغ، الذي يعيش في الولاية الشمالية أوتار باراديش، والذي خضع لامتحان "جيف" في سبتمبر/أيلول الماضي: "كان عليّ التفكير في حماية نفسي من الفيروس والتعامل مع ضغوط الخضوع لامتحان كبير وصعب في آن واحد. في مركز التدريب، يأتي الطلاب والمراقبون من كل مكان في الهند، لذا كانت هناك مخاوف كبيرة من الإصابة بالعدوى، الأمر الذي سيطر على تفكيري". وقد أثر انتشار الوباء بشكل كبير على تحضير رامان سينغ للامتحان، وفشل في الحصول على الدرجات المطلوبة للالتحاق بأي من الكليات الهندسية التي كان يأمل في دخولها.

وبالنسبة لديبشيكا، كانت هذه السنة، محاولتها الثانية والأخيرة لأداء امتحان "جيف"، ولم تكن درجاتها كافية لدخولها إحدى الكليات العلمية المرموقة، وهي تعتقد أن عليها الآن القبول بالدراسة في جامعة من الدرجة الثانية في ولاية جهارخاند التي جاءت منها. وكذلك ثيلاي، التي أدت امتحان "نيت" هذا العام، لم تكن نتائجها كما كانت تأمل، وهي الآن تحضر طلبات التقديم للالتحاق بكلية لطب الأسنان، والتي تتطلب معدلات أقل بقليل.

التعليق على الصورة،

فحص حرارة طالبة قبل دخولها إلى مركز امتحانات لتقديم امتحان "نيت" في كولكاتا

وكانت الوكالة الوطنية للامتحان، التي تنظم امتحان "جيف"، قد أعلنت أن الطلاب سيمنحون هذا العام الفرصة لأداء الامتحان أربع مرات بدلا من مرتين كما جرت العادة. لكن لإتاحة المجال للدورتين الإضافيتين، سيبدأ الامتحان في فبراير/شباط بدلا من أبريل/نيسان، في حين ليس هناك إعلان رسمي بخصوص امتحان "نيت" حتى الآن، لكن لا يبدو أن هناك اتجاه لتأجيله أيضا.

ورغم أن العديد من مراكز التدريب لا تزال مغلقة أو تحولت للتدريس عبر الإنترنت، علاوة على تسجيل 10 ملايين إصابة بفيروس كورونا في الهند حتى الآن، فسيكون على الطلاب خلال بضعة أشهر تقديم امتحاناتهم في مراكز التدريب، وربما سيضطرون للسفر لأجل ذلك.

وتقول المدرسة إيدارا: "إنهم غير مستعدين، كانوا يتلقون الدروس عبر الإنترنت طوال خمسة أشهر، لكنهم يقولون لنا إنهم لا يدرسون إطلاقاً في البيت، فقط يستمعون إلى الدروس، أو يخفون الصوت خلال نصف الأوقات". لذلك ليس من المستغرب أن تغص مواقع التواصل الاجتماعي للمرة الثانية بالمطالبات بتأجيل الامتحانات.

ومع هذا، وفي حين تعلو النقاشات بخصوص تغيير مواعيد الامتحانات، هناك القليل فقط من الحديث بخصوص مناقشة القضايا المتعلقة بنظام التعليم العالي في الهند، مثل عدم وجود أماكن كافية في الجامعات، ونتائج التركيز على النجاح في امتحانات القبول على حساب التعلم والدراسة الفعليين.

وتقول سوميترا باثار، طبيبة نفسية ومديرة مركز قانون الصحة النفسية والسياسات في كلية آيليس للدراسات القانونية: "كان من الممكن استغلال الأزمة لإعادة التفكير في نظام التعليم. لكنها لم تعالج بهذه الطريقة". وترى باثار أنه بدلا من محاولة إيجاد حلول بعيدة المدى، تركز الخطاب العام حول ما إذا كان إلغاء الامتحانات أو إخضاعها لمزيد من التأجيل سيؤدي إلى إضاعة العام عبثاً. وتقول: "هناك أمر أدى بالفعل إلى قتل الكثير من آمال الشباب هذا العام، وهو عدم اليقين. كان من الضروري أن تكون هناك خطة واضحة منذ البداية بخصوص ما إذا كانت الامتحانات ستجرى، ومتى سيتم ذلك. فإذا كان هناك أي شيء يوّلد القلق، فهو عدم اليقين".

وبالنسبة لريشيت بولبيدي، وهو طالب من مدينة حيدر آباد في السابعة عشرة من عمره، فإن امتحان "جيف" المقبل سيكون لحظة تحديد مستقبله المهني، ومع ذلك لم يستعد له بشكل كاف، ويقول عن ذلك: "لم تكن الدروس عبر الإنترنت مفيدة بشكل كاف. ولم نكمل نصف منهجنا حتى، ومن الصعب جداً أن نفهم ما شرح لنا، بسبب غياب التفاعل الحقيقي مع المدرسين".

ونتيجة لشعوره بالخيبة تجاه أداء مركز التدريب الذي التحق به، لجأ بولبيدي إلى الدروس الخصوصية، كما اتجه إلى حصص التدريس المتاحة على يوتيوب لمساعدته على تحصيل ما فاته، ويقول عن ذلك: "أظن أنني قد أتمكن من إتمام المنهج وحدي في موعد الامتحان. وإن لم يحصل ذلك، سيكون علي أن أنسحب، وأعيد المحاولة السنة القادمة".

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على BBC Worklife