هل تعد بلفاست في أيرلندا الشمالية بديلا أرخص للندن؟

بلفاست مصدر الصورة Alamy

تختلف مدينة بلفاست الحالية كليةً عن تلك المدينة التي عرفت بالاضطرابات قبل عقدين من الزمن. فمع فرص العمل المتوفرة فيها، وانخفاض تكاليف المعيشة، لدى هذه المدينة الكثير لتقدمه للوافدين إليها، كما يقول ديفيد إيليوت.

خلال عقدين فقط من الزمن، تحولت بلفاست، عاصمة أيرلندا الشمالية بالمملكة المتحدة، من منطقة حرب إلى مركز للتقنيات، لتصحيح انطباعات الماضي عن الفوضى والاضطرابات التي كانت تسودها.

وفي هذا المكان الآن وفرة من فرص العمل، ويتمتع العاملون فيها بمستويات عالية من المعيشة، فقد أصبحت نقطة جذب للوافدين وكبار الشركات.

إن بلفاست عالم مختلف عما كانت عليه في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي عندما كان المجتمع الدولي يراها تتصدر عناوين الأخبار من أعمال شغب، وانتشار نقاط التفتيش، والمتاريس والأسلاك الشائكة التي تغلق الشوارع.

ورغم إنجازات عاصمة أيرلندا الشمالية فلا يزال أمامها ما يتوجب تغييره لإعادة تصنيفها وتوصيفها؛ فالقيادة السياسية المتقلبة تعني أن المدينة لا تزال تعاني من آثار الماضي.

إن أغلب العاملين الشباب في المدينة لم يكونوا قد ولدوا عندما وُقع 'اتفاق الجمعة العظيمة' عام 1998، والتي كانت إشارة لانتهاء 30 عاماً من الصراعات. وذلك هو أحد الأسباب التي تجعلهم، ومعظم الذين يعيشون في المنطقة وعددهم 1.8 مليون نسمة، يركزون أكثر على مستقبل مشرق وليس على سياسات الماضي.

التطلّع إلى المستقبل

يعطي أفق بلفاست لمحة خاطفة عن طبيعة اقتصادها الجديد. وللشركات المتعددة الجنسيات مكاتب رئيسية هنا، بما فيها شركة التأمين الأمريكية أولستايت، ومكتب المحاماة العملاق "بيكر ماكنزي"، وشركتي الخدمات المهنية برايس وتر هاووس كوبرز، وديلويت، والتي تستفيد جميعها من تكاليف التشغيل المنخفضة.

وفي حين يشكل انسحاب المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، وإنشاء ما يعرف بـ "حدود مرنة" بين أيرلندا الشمالية (التي ستنسحب من الاتحاد الأوروبي) وجمهورية أيرلندا، أموراً لا تزال محل نقاش

مصدر الصورة Getty Images
Image caption دورية للجيش البريطاني تصل بُعيد انفجار قنبلة في بلفاست في عام 1972

للوصول إلى قرار، فإن ما يظل غامضاً هو تأثيرات كل ذلك على اقتصاد بلفاست وسوق العمالة فيها.

قبل التصويت بانسحاب المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي الذي أجري في عام 2016، أثارت شركة "موي بارك" البرازيلية لمنتجات لحوم الدجاج وبنك الاستثمار الأمريكي 'سيتي' ، وهما اثنان من كبار شركات التوظيف، بعض المخاوف. لكن في أعقاب القرار، صرح الاثنان بأنه لن يكون لذلك أي تأثير على عملياتهما في أيرلندا الشمالية، وزاد كلاهما من عدد العاملين لديهما.

وما يثير القلق أكثر هو النزاع التجاري الذي يهدد أكبر أرباب العمل الصناعيين في أيرلندا الشمالية.

في الولايات المتحدة الأمريكية، رفعت شركة بوينغ دعوى ضد شركة بومباردييه الكندية لتصنيع الطائرات، التي توظف 4,500 شخص في أيرلندا الشمالية.

وتخص الدعوى الدعم الممنوح لبومباردييه لقاء بيع طائراتها. وتطالب شركة بوينغ الحكومة الأمريكية بأن تدفع بومباردييه تعريفات جمركية، مما قد يهدد مستقبل منشآتها في بلفاست. كما سيؤدي ذلك إلى تساؤلات حول مستقبل 80 شركة محلية تزود الشركة الكندية بقطع الغيار، والخدمات، وقد يعيق ذلك نمو قطاع الطيران، ذي الإمكانيات الرفيعة.

تكاليف المعيشة

انتقلت آيسيس ديلا بينيا بالامين إلى بلفاست في عام 2014، بعد أن كانت تعيش بالقرب من مالمو في السويد. وتعمل آيسيس كطاهية في جنوب المدينة وتقول إن تكاليف المعيشة إيجابية بالمقارنة ببلدها.

وتضيف: "العيش هنا رخيص جداً فيما يتعلق بالمأكل والمسكن. نحن نعيش في بيت من غرفتي نوم وتكلفنا 425 جنيه استرليني شهرياً؛ لو كان ذلك في السويد لكنا سندفع 600 جنيه استرليني لاستئجار مجرد شقة."كما يمكن لمشتري العقارات أن يجدوا صفقات مربحة.

مصدر الصورة Alamy
Image caption مع أن الرواتب أقل، إلا أن تكاليف المعيشة في بلفاست أقل بكثير مما هي عليه في لندن

وتبين آخر البيانات المستحصلة من هيئة الإحصاء والبحوث لأيرلندا الشمالية أن معدل أسعار البيوت في بلفاست يقرب من 128,650 جنيه استرليني. وبالمقارنة، يصل السعر إلى 489,000 في لندن وذلك حسب مكتب الإحصاء الوطني بالمملكة المتحدة.

وأصبح معدل الرواتب - مع أنه يتصاعد ليصبح ثاني أعلى نسبة تسارع في كافة مناطق المملكة المتحدة- 26 ألف جنيه استرليني سنوياً، وهذا الرقم هو أقل من المتوسط في المملكة المتحدة والبالغ 28 ألف جنيه استرليني، أما معدل الرواتب في لندن فهو 35 ألف جنيه استرليني، حسب مكتب الإحصاء الوطني.

إن نفقات العيش هي أقل نسبياً، مع أن فواتير الخدمات قد تكون مرتفعة نظراً لحاجة أيرلندا الشمالية إلى استيراد معظم احتياجاتها من الطاقة. ويشير بعض الوافدين، خصوصاً القادمين من لندن ونيويورك، إلى أن تناول الطعام هنا وهناك يكلف أكثر رغم أن عدداً متزايداً من المطاعم - الجميع بما فيها "أوكس" و "دينز إيبيك" المصنفتين ضمن "دليل ميشلان" العالمي، وغيرهما من باعة المأكولات في الشوارع الذين يتنامى عددهم- يسهم في دعم وزيادة ما هو معروض ومتوفر.

النزهة والنشاطات

ينجذب العديد من الوافدين إلى شقق مركز المدينة المبنية قبل الأزمة المالية عام 2007 حول 'حي تيتانيك' (المجاور لحوض بناء السفن الذي بُنيت فيه السفينة التي لاقت نهاية مؤسفة)، و'حي الكاتدرائية'، وكانت منطقة مستودعات ولكن تم تجديدها لتمتليء الآن ببعض من أفضل بارات ومطاعم المدينة.

وباستطاعة عمال المراكب هنا أن يحتسوا كأساً من البيرة القاتمة المخمرة محلياً في حانة "سانفلاور"، وهي نموذج مثالي لمزاج بلفاست المتغير. كما أن هناك قفصاً أمنياً من قضبان معدنية لا يزال ينتصب عند بابها الخارجي حيث كانت تستعمل أوقات 'القلاقل' لكي يتمكن مالك الحانة من التحقق من الداخلين إليها. أما الآن فهي مطلية بدهان أخضر وغالباً ما تزيّن بزهور نضرة ويقصدها السواح.

مصدر الصورة Alamy
Image caption يجذب مبنى 'تيتانيك بلفاست'السواح إليه وكان قد شُيّد احتفاءا بالسفينة الشهيرة التي لاقت نهاية مؤسفة. كانت السفينة قد بُنيت في حوض بناء السفن المجاور

والحي الجامعي هو أيضاً حي شعبي وواحد من أكثر مناطق المدينة تنوعاً بأعراقه نظراً لاجتذاب "جامعة كوينز" العديد من الطلبة من أنحاء العالم، وخصوصاً من آسياً. ويقع الحي بجوار شارعي "مالون رود" و"ليزبيرن رود" المُشجرين.

غير أن بلفاست مدينة صغيرة. وخلال دقائق، يمكن للزوار أن يصلوا إلى الأحياء الأكثر تنوعا، حيث يوجد فيها شارعا "فولز رود" و"شانكيل رود"، وهما شارعان متوازيان حصلت فيهما وقائع وأحداث بعض الاضطرابات السابقة.

جودة العيش

تقول شيزوكو لوكه إنها كانت مهمومة في البداية عندما انتقلت إلى المدينة قبل 11 عاماً مضت قادمة من هيوغو في اليابان نظراً لانعدام التنوع العرقي، وهو أمر قد تحسن عبر السنين منذ إحلال السلام في المنطقة، مع أن نسب الأعراق لا تزال متراجعة عما هي عليه في باقي مناطق المملكة المتحدة.

لكن تربية ولديها في المدينة جعل لوكه إيجابية جداً، وتقول: "إنها مكان جيد لتنشئة عائلة، والنظام التربوي في أيرلندا الشمالية ذو مستوى عالٍ مع وجود وفرة من المدارس النموذجية الجيدة".

وقد عاش رونان كَنينغهام في بلفاست للسنين الأربع الماضية، ويُشيد بالمدينة لانشائها بيئة ذات "تقنية متقدمة" مميزة (تشمل قطاعات مثل الذكاء الاصطناعي والروبوتات، وتقنية الواقع المعزز) التي أتاحت له تأسيس شركته الناشئة في مجال التطبيقات، "برين ويف بانك".

مصدر الصورة Alamy
Image caption تعد جامعة كوينز" (بلفاست) مركز جذب عالمي للطلبة

وقد أتي كَنينغهام في الأصل من غالواي، وكان قد عمل لمدة 20 عاماً لدى شركة بوينغ، وأسس شركته الهندسية الخاصة في سان دييغو قبل الاستقرار في بلفاست والبدء في شركته في مجال التقنيات.

ويقول إن تركّز المواهب التقنية ورغبة أبناء المجتمع التقني في تقاسم معارفهم وتمويل الشركات الناشئة إضافة إلى انخفاض تكاليف المعيشة كلها عوامل توفر بيئة لا نظير لها في بلفاست.

ويضيف كَنينغهام : "لم أكن لأستطيع أن أنجز ما أقوم به لو كنت في دبلن أو لندن. يستطيع الناس من أمثالنا أن يعملوا لقاء أجور أقل بكثير في وقت نؤسس فيه شركاتنا، في حين نستطيع في ذات الوقت الاستمتاع بمستوى جيد من العيش هنا في بلفاست."

ويضيف أن المشهد الثقافي للمدينة "ينمو ويتطور مع ظهور مطاعم وحانات جيدة على الدوام".

ولد تشي شونغ سوون في ماليزيا لكنه انتقل إلى بلفاست قبل 19 عاماً للدراسة والحصول على شهادة جامعية في علم الحاسوب، وهو الآن متخصص في مجال التطبيقات لدى إحدى شركات الطاقة.

ويقول سوون إن المدينة أتاحت له تطوير نفسه، سواء على الصعيد المهني أو الشخصي. ويضيف: "الناس هنا ودودون جداً وكانت التجربة رائعة بالنسبة لي. إنها إحدى أفضل القرارات التي اتخذتها في حياتي."

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Travel .

مواضيع ذات صلة

المزيد حول هذه القصة