مفاجآت صادمة في وثائقي جديد عن النجمة "ويتني هيوستن"

المغنية الراحلة ويتني هيوستن مصدر الصورة Miramax

حتى قرب نهاية فيلم "ويتني" - وهو أحدث الأفلام الوثائقية للمخرج كيفِن ماكدونالد - يبدو العمل وكأنه مجرد فيلم ممتعٌ بقدرٍ يكفي بالكاد لإقناع المرء بمشاهدته، لكنه يخلو من أي مفاجآت أو أشياء جديدة يكشفها عن حياة المغنية الراحلة ويتني هيوستن. غير أن الجزء الأخير منه يأتي بالجديد، عندما يُميط اللثام عن تحولٍ مأساوي ومُثيرٍ للمشاعر بشأن حياتها.

في الجانب الأكبر منه، يروي فيلم "ويتني" الوثائقي - الذي يقدمه المخرج "كيفِن ماكدونالد" عن حياة المغنية الأمريكية الراحلة "ويتني هيوستن" - قصةً معروفةً ومألوفةً بشدة عما كابدته هذه السيدة في حياتها من محنٍ وويلات.

لكن الأمر يختلف في الدقائق الثلاثين الأخيرة منه، عندما يكشف النقاب عن وقائع لم يكن قد تم التطرق إليها من قبل بشأن هذه المغنية، وهو ما يشكل مبرراً كافياً لإنتاجه من الأساس. غير أن ما يكشفه العمل، لا يجعله وثائقياً ذا أحداثٍ تأخذ بعقول مشاهديه أو تفطر قلوبهم فحسب، وإنما يصبح بها فيلماً مهماً كذلك.

نعرف جميعاً على أي حال، أن "ويتني هيوستن" كانت من بين المغنين ذوي الأعمال الأكثر رواجاً ومبيعاً في القرن العشرين، لكن تعاطيها للمخدرات جعلها - ولسنواتٍ طويلة - اسماً ثابتاً على قائمة المشاهير الذين تتناول الصحف الشعبية "التابلويد" والبرامج التليفزيونية الحوارية أخبارهم، حتى فارقت الحياة في حوض استحمامٍ بأحد الفنادق عام 2012 عن عمرٍ لم يتجاوز 48 عاماً.

وفي عمله الوثائقي هذا، يتساءل "ماكدونالد" - الذي يمزج في أعماله بين الوثائقيات مثل "Touching the Void" (لمس الفراغ) و"بوب مارلي"، والأفلام الروائية الطويلة مثل "آخر ملوك اسكتلندا" و" State of Play" (حالة لهو) - عن السبب الذي جعل من المستحيل على "ويتني هيوستن" التخلص من إدمانها للمخدرات طيلة حياتها، وكيف كان شخصٌ مثلها - يبدو أنه يُشِعُ بهجةً وحيويةً بشدة - هو في واقع الأمر مُعذبٌ إلى هذه الدرجة.

ومن خلال خلاصة لقاءاتٍ شملت غالبية المقربين بشدة من المغنية الراحلة، إن لم يكن كلهم بما في ذلك زوجها السابق بوبي براون، يطرح كيفِن ماكدونالد فكرةً مفادها أن هذه السيدة كانت تحمل بين جنباتها اللعنة والبركة منذ يوم ميلادها.

فأقاربها لم يستطيعوا - على ما يبدو - تصديق كم كانت جميلة في طفولتها، بجانب ذلك؛ سرعان ما أصبحت مواهبها وألعابها الصوتية - في تلك الفترة - على كل لسانٍ في الكنيسة الموجودة في مدينة "نيوآرك" بولاية نيوجيرسي الأمريكية.

مصدر الصورة Getty Images

لكن حب "ويتني" للغناء الإنجيلي - وهو نوع من الغناء الديني المسيحي - تهشم وانهار، عندما أقامت والدتها "سيسي هيوستن" - التي كانت تعمل كذلك مدربةً للغناء - علاقةً عاطفيةً مع كاهن الكنيسة، وهو ما أدى لطلاقها من والدها.

وهكذا، جربت "ويتني" الكوكايين للمرة الأولى في عيد ميلادها السادس عشر، عندما كانت قد بدأت بالفعل العمل كـ"أحد أفراد الكورال" في العروض الغنائية لأمها، تماماً مثلما كانت الأم نفسها تقوم بالدور ذاته مع مغنين من أمثال ألفيس بريسلي وأريثا فرانكلين.

ولكن الشهرة الفائقة التي حظيت بها "ويتني هيوستن" وهي في مقتبل العشرينيات من عمرها، لم تكن فقط بفضل قدراتها المذهلة في مجال الغناء أو مظهرها المثالي الشبيه بمظهر عارضات الأزياء، وإنما كانت تعود أيضاً إلى أنها بدت نموذجاً مثالياً لفتاةٍ أمريكيةٍ محبوبة ولطيفة، تنحدر من عائلةٍ مسيحيةٍ صالحة.

لكن خلف الكواليس، نرى في تسجيلاتٍ منزلية مصورة وفيرة، كيف كانت دعاباتها الرشيقة (وما كانت تتفوه به المغنية بولا أبدول من عباراتٍ ينقصها الاحترام) تتدني بسرعة إلى مستوى الثرثرة الشبيهة بتلك التي تصدر ممن هم تحت تأثير المخدرات.

كل ذلك يمكن أن يكون - على كآبته - ممتعاً بالكاد لكي يشاهد المرء الفيلم، ولكنه لا يتضمن قط أياً مما يفاجئنا كثيراً. فثمة توجهٌ محدودٌ ظهر في الآونة الأخيرة، لتناول المغنيات الموهوبات على نحوٍ استثنائي ممن كانت حياتهن تتسم بطابعٍ مأساوي، وذلك في أفلامٍ وثائقية تُنتج بعد وفاتهن.

ومن بين هذه الأعمال؛ "جانيس: الطفلة الصغيرة الزرقاء" للمخرجة إيمي بِرغ، والذي تناول حياة المغنية وكاتبة الأغاني الأمريكية جانيس جوبلين، و"إيمي" الذي قدمه المخرج "آصيف كاباديا" عن المغنية البريطانية الراحلة إيمي واينهاوس. بل إن المخرج "نيك برومفيلد"، قدم فيلماً وثائقياً العام الماضي فقط عن "ويتني هيوستن" نفسها، وذلك تحت اسم "ويتني: هل يمكن أن أكون أنا".

وفي سياق سعيه للتعرف على أسباب شقاء "ويتني هيوستن"؛ يتناول "ماكدونالد" العديد من العوامل، التي رأى "برومفيلد" في فيلمه بدوره أنها قد تكون وراء ما عانته هذه المغنية من محن.

ومن بينها، ما يمكن أن يُطلق عليه اسم "الوعي أو الإدراك المزدوج"؛ الناجم عن كون "ويتني" فتاةً قادمةً من حيٍ تقطنه غالبية من الأقلية سوداء البشرة في الولايات المتحدة؛ وتحاول في الوقت نفسه أن تفوز بحب ودعم "أمريكا البيضاء"، بجانب النزعة لممارسة الجنس مع الذكور والإناث سواءٌ بسواء، وهو الأمر الذي نفته المغنية الراحلة علناً.

مصدر الصورة Getty Images

المفارقة أن بعض الأسباب المُشتبه بها في هذا الإطار، تتماثل بشكلٍ مروع مع تلك التي أُنحي عليها باللائمة في مأساة إيمي واينهاوس، من جانب المخرج "كاباديا" في الفيلم الوثائقي الذي قدمه عنها: مثل الزواج المتهور من شخصٍ مُهيأٍ لأن يُسبب مشكلاتٍ أو يتصرف على نحو شائنٍ (بالنسبة لويتني، شعر زوجها السابق بالغيرة عندما فاقت شهرتها شهرته، بعد عرض فيلم "الحارس الخاص")، وكذلك وجود أبٍ استفاد أكثر من اللازم من اضطلاعه بدورٍ في إدارة أعمال ابنته (لكن يجب القول إنصافاً لميتش واينهاس إنه لم يُقاضِ ابنته قط من أجل الحصول على 100 مليون دولار، كما فعل جون هيوستن).

من جهة أخرى، لم يكن "ماكدونالد" موفقاً في بعض قراراته الفنية والإخراجية التي غلب عليها طابع الافتعال. فقد حلا له أن يجعل مشاهد عمله في بعض الأوقات، تتناوب بشكل سريعٍ ما بين لقطات تليفزيونية لـ"ويتني هيوستن" وتقارير إخبارية عن الأحداث الجارية على الساحة الدولية، بشكلٍ يوحي أن هناك ترابطاً على نحوٍ ما بين هذا وذاك.

فعلى سبيل المثال، رُبِطَ بين حرب الخليج الأولى والصراعات التي خاضتها "ويتني هيوستن" في حياتها الشخصية. ولعلي أقولها هنا وبشكلٍ مُلَطَفٍ، إنني متشككٌ في مدى سلامة مثل هذه القرارات الفنية من جانب "ماكدونالد".

لكن الرجل يدخر لنا مفاجآته إلى ما بعد مرور 90 دقيقة من فيلمه، ففي اللحظة التي يكاد فيها فيلم "ويتني" يبدو وكأنه مجرد عملٍ آخر مُشابه لأفلامٍ على شاكلة "جانيس: الطفلة الصغيرة الزرقاء"، يصل بنا مخرجه إلى اكتشاف تلك اللحظة، التي فقدت فيها المغنية الراحلة سعادتها وبراءتها.

فـ"ماكدونالد" يعثر على سببٍ محتملٍ من شأنه كشف لغز البؤس والألم اللذين عانت منهما "ويتني هيوستن"، ليُفعم الفيلم بغتةً بالإثارة. ويبني "ماكدونالد" طرحه في هذا الصدد، على ما كان قد برهن عليه بالفعل من قبل، من أن المغنية الراحلة وأشقاءها كانوا يقيمون - في كثيرٍ من الأحيان - مع أقارب متنوعين لهم، عندما تكون والدتهم في إحدى جولاتها الفنية هنا أو هناك.

وما يدعيه "ماكدونالد" بناءً على ذلك أن "ويتني" تعرضت عندما كانت فتاةً صغيرةً، للتحرش من جانب أحد هؤلاء الأقارب، ويُدعى "دي دي وورويك"، الذي كان قريباً لها وشقيقاً في الوقت نفسه للمغنية والممثلة ديون وورويك.

وإذا لم يكن ذلك فظيعاً بما يكفي، فإن القصة ستبقى - في كل الأحوال - واحدةً من تلك القصص التي تتناول إساءة معاملة الأطفال والاعتداء عليهم أحياناً.

فرغم عدم وجود أي تلميحٍ يشير إلى أنه جرى التحرش بـ"بوبي كريستينا براون" ابنة "ويتني هيوستن" وزوجها السابق، فإننا نشعر بأن استخدام مصطلح "إساءة معاملة الأطفال"، يبدو مناسباً للحديث عن وضعها، عندما نعلم من خلال الفيلم، كيف كانت تعيش مُحاصرةً في قصر معزول، بينما كان والداها مدمنا المخدرات يحفران على كل الجدران والأرضيات رسوماً تُصوِّر شياطين. وقد توفيت بوبي في عام 2015، أي بعد ثلاث سنوات فحسب من أمها.

لكن، فمن خلال تسليط قدرٍ من الضوء على هذا الشر والظلام العابر للأجيال، ربما سيساعد هذا الوثائقي الذي قدمه "ماكدونالد" أطفالاً آخرين يعانون بدورهم، حتى وإن كانوا يعيشون في منازل أشخاصٍ أثرياء ومشاهير للغاية.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Culture .

المزيد حول هذه القصة