"حمى السرعة" تجتاح كل شيء في كوريا الجنوبية

  • مات كروفورد
  • صحفي
مدينة سول عاصمة كوريا الجنوبية

صدر الصورة، Alamy

كيف تحول شعب كوريا الجنوبية في غضون عقود قلائل من زراعة الأرز إلى تحميل الإنترنت فائق السرعة؟

أثناء زيارتي مطعم توباغي درايفر بمنطقة غواناك بالعاصمة الكورية الجنوبية سول خلال إحدى الأمسيات القريبة، عمدت لضبط حاسب السرعة خلسة أثناء طلبي للطعام. وبعد أن توارى النادل في هدوء عاد إلى الطاولة بما طلبت من عدة أطباق بعد دقيقتين و20 ثانية تحديدا، أتبعها بعد دقيقة ونصف بصحن الفخار من حسائي المفضل يتصاعد منه البخار كما خرج من النار توا!

والمدهش أن خدمة بهذه الكفاءة تتوافر في بلد ليس معهودا فيه تقديم البقشيش، والأكثر دهشة أن ذاك المطعم البسيط الذي يقصده سائقو الأجرة ليس معروفا بسرعته عن باقي المحال الأخرى.

والسرعة أمر معتاد في مختلف مناحي المجتمع الكوري الجنوبي، وبالأخص في العاصمة، ويطلق عليها السكان تعبير الـ"بالي-بالي"، وتعني "بسرعة" و"دون هوادة". تلك السرعة تنعكس بالتأكيد على سرعة الإنترنت القياسية على مستوى العالم في هذه البلاد، وعلى الدروس المكثفة لتعلم اللغة التي تعد بنتائج شبه فورية، وعلى خدمات المواعدة السريعة التي تنتشر هنا أيضا، وكذلك حفلات الزفاف السريعة التي تستضيفها قاعات فاخرة الواحدة تلو الأخرى خلال عطلة الأسبوع، ولا تمتد الحفلة لأكثر من ساعة.

والسرعة عنوان خدمة توصيل طلبات الطعام على متن دراجات نارية تتحدى الزمن وربما قوانين المرور أيضا، بينها أساطيل ماكدونالدز رائد الوجبات السريعة في العالم الذي أطلق فرقه من دراجات الطعام في كوريا الجنوبية بدءا من عام 2007.

وبالأمس لم تكن كوريا الجنوبية بهذه السرعة بل كانت بلدا ريفيا عاش 72 في المئة من سكانه خارج الحضر عام 1960، فكيف تحول هذا الشعب في بحر عقود قلائل من زراعة الأرز إلى تحميل الإنترنت فائق السرعة؟

صدر الصورة، Alamy

التعليق على الصورة،

في 2007 أطلقت مطاعم ماكدونالدز فرق دراجات بخارية لتوصيل طلبات الطعام لينافس المطاعم الكورية الجنوبية الأخرى

يذكر غاري ريكتر، الأمريكي الذي قدم إلى سول ضمن برنامج تطوعي لفيلق السلام للإعانة عام 1967 قبل أن يتجنس لاحقا، كيف أدهشه ما رآه، قائلا: "قبل وصولي كنت أتصور الكوريين أناسا يعمدون إلى نمط الحياة الهادئ المتأمل، ولكني وجدتهم أكثر عجلة من الأمريكيين. كان الكوريون من كبار السن أبطأ سرعة، أما من في مثل سني - وكنت في الرابعة والعشرين حينها - فلم يكفوا عن الحركة هنا وهناك سعيا لتحسين حياتهم".

تخطى البودكاست وواصل القراءة
البودكاست
تغيير بسيط (A Simple Change)

تغيير بسيط: ما علاقة سلة مشترياتك بتغير المناخ؟

الحلقات

البودكاست نهاية

وفد ريكتر إلى البلاد في وقت شهدت تغيرا هائلا، ففي مطلع الستينيات أخذت كوريا الجنوبية تتبنى خططا خمسية متوالية في ظل رئاسة بارك تشونغ-هيي، وهي الخطط التي أديرت بانضباط بالغ وأعزي إليها الفضل في المعجزة الكورية الجنوبية التي أحالت كوريا الجنوبية من بلد دمره الحرب إلى طاقة اقتصادية جبارة شهدت بزوغ نجم شركات عملاقة مثل سامسونغ وهيونداي وإل جي.

ويعرض المتحف الوطني للتاريخ الكوري المعاصر بوسط العاصمة سول ثمار هذا التطور السريع، ومنه انطلقت جذوة النهضة بالبلاد، فقبل أن يصبح متحفا، كانت مبانيه تضم المجلس الأعلى للإعمار الوطني وهيئة التخطيط الاقتصادي.

واليوم يشهد الزائر بقاعة العرض للفترة ما بين عامي 1961 و1987 مظاهر النمو المطرد. هنا رأيت شابين يحدقان في أول جهاز إلكتروني منزلي، وهو مذياعا من طراز إيه-501 صنع عام 1959، وعلى مقربة منهما يطلع أب ولده على نموذج للسيارة هيونداي بوني الزرقاء القديمة التي خرجت للنور عام 1975.

والعجيب أن صادرات البلاد نمت خلال تلك الفترة بواقع ما بين 30 و40 في المئة كل عام! وبفضل التخطيط الاقتصادي الجريء والأيدي العاملة الدؤوبة حققت البلاد طفرة بدأت بتصدير خامي الحرير والحديد، ومن ثم صناعة المنسوجات والشعر المستعار، وسرعان ما تحولت البلاد لصناعة وتصدير المنتجات الإلكترونية الاستهلاكية الأعقد، فضلا عن ناقلات النفط وأشباه الموصلات الأساسية للصناعات الإلكترونية.

صدر الصورة، Alamy

التعليق على الصورة،

في عام 1960 كان أكثر من 70 في المئة من سكان كوريا الجنوبية يعيشون حياة ريفية

يقول عالم الأنثروبولوجيا كيم تشونغ-صون إن أساس نجاح كوريا الجنوبية كاقتصاد مُصدِّر يرجع إلى السرعة، فـ"مفهوم 'البالي-بالي' ليس نمطا حياتيا يوميا للكوريين فحسب، بل هو من القيم الأساسية للشخصية الكورية"، بحسب تعبيره في كتابه "العودة إلى كوريا".

ويضيف كيم قائلا: "بفضل ثقافة السرعة تمكن الكوريون (الجنوبيون) من إحراز تقدم اقتصادي هائل والتحول لبلد صناعي ضخم في برهة من الزمن".

ويعد طريق غيونغبو السريع الرمز الأبرز لهذا النجاح، إذ يمتد مسافة 428 كيلومترا باتجاه الجنوب الشرقي من سول إلى بوسان ثاني كبرى مدن البلاد. وكان من المفترض أن يستغرق ثلاثة أعوام ونصف العام قبل أن ينتهي العمل به بعد عامين وخمسة أشهر ليدشن عام 1968 بفضل جهود ملايين العمال.

ولم تهدأ وتيرة العمل، منذ ذلك الحين، فمدينة سونغدو التجارية الدولية بنيت عن بكرة أبيها على أرض مستصلحة جنوب غربي سول بدءا من 2004، ودشنت المرحلة الأولى للمشروع الرائد لتشمل ساحات مفتوحة عملاقة ومركزا للمؤتمرات وفندق شيراتون وأبراجا سكنية بعد خمس سنوات من تاريخ البدء.

والأكثر إبهارا والأسرع هو مدينة سيجونغ الإدارية التي تبعد 120 كيلومترا جنوب سول وشيدت من أولها إلى آخرها ما بين عامي 2010 و2012.

ورغم أن كوريا الجنوبية تحوذ كل الثناء لإنجازاتها، فهناك ما يرجح أن كوريا الشمالية لديها ذات الاستعداد، فزعيمها المؤسس كيم إيل-سونغ حث العمال أن يحذوا حذو الحصان الأسطوري المجنح "الكوليما" الذي يطير مئات الأميال في يوم واحد.

صدر الصورة، Alamy

التعليق على الصورة،

انتهت المرحلة الأولى من مدينة سونغدو التجارية الدولية خلال خمسة أعوام

وجاء حفيده كيم جونغ-أون ليطلق شعار "الماليما" مضاعفا السرعة المتوقعة عشرة أمثالها. وقد أتى الشعار ببعض النتائج مثل تدشين أبراج سكنية نموذجية بشارع ريومونغ بالعاصمة بيونغيانغ عام 2017 بعد سنة واحدة من البدء فيه.

ولعل هذا يطرح سؤالا ما إذا كانت ثقافة الإنجاز تلك تعود إلى ما قبل الحقبة الحديثة في كوريا، ويقول عالم الأنثروبولوجيا كيم تشونغ-صون إن الأمر كذلك، مستشهدا بما شُيد من آثار قبل موعدها، من بينها قلعة هواسيونغ بمدينة سوون؛ ذاك الصرح الضخم المشمول ضمن قائمة اليونسكو للتراث العالمي والذي تم الانتهاء منه عام 1796 قبل موعده بسبع سنوات ومازال قائما يشهد على عظمة بنائه.

كذلك يتفكر المرء ما إذا كانت الخزفيات الخضراء البديعة لأسرة غوريو (918-1392) شكلتها أيدي الفخاري القديم بذات دقة وكفاءة العامل الكوري صاحب المنتجات عالية الجودة اليوم.

وفي القرن السادس عشر أنتج الكوريون فنا متقنا رفيعا، منهم الخطاط هان سيوك-بونغ الذي أبدع الخط الصيني بأشكال شتى منها الخط المُرسَل لأسطر شعرية كاملة دون أن يرفع حبره عن الكتابة ما تطلب سرعة ودقة تامة.

ورغم أن قلة من الكوريين يتقنون فنون الخط الرفيع اليوم، فإنهم يعوضون ذلك بمهارتهم في الكتابة بالإبهام على شاشات المحمول! وقد فاز الفريق الكوري بمسابقة إل جي موبايل العالمية للأسرع كتابة للرسائل النصية في نيويورك عام 2010.

صدر الصورة، Matt C. Crawford

التعليق على الصورة،

أصبحت كوريا الجنوبية معروفة بسرعة الأداء في كافة مناحي الحياة

كذلك ليس من قبيل الصدفة تفوق الكوريين في رياضات الرماية الأولمبية المعتمدة على السرعة، وكذلك كانوا الأفضل في مباريات التزلج السريع قصير المضمار، إذ حصدوا حتى وقتنا 48 ميدالية أولمبية إجمالا.

ولكن بعض المعلقين خارج كوريا ربما بالغوا في إبراز تلك السرعة، حتى أن كو سي-وونغ الناشر بموقع Korea Exposé الإعلامي المستقل يقول إن الأمر أصبح "أشبه بتصوير ساخر للثقافة الكورية".

وبينما يهتم كثير من الكوريين بالتهام شرائح المعجنات الكورية على عجل وتحرص الشركات على إيصال الأغراض المطلوبة بأقصى سرعة، فمنهم من هجر حياة الصخب كعديد من الشخصيات الكورية المعروفة التي انتقلت للعيش بجزيرة جيجو جنوبي البلاد.

ومن هؤلاء المغنية الشهيرة لي هيوري وزوجها لي سانغ-سون اللذان تبنيا حياة الريف كما عرضها التلفزيون ببرنامج "في صحبة هيوري" مصورا مشاهد من واقعهما اليومي.

ولا أحد يعرف حتى متى تستمر هذه الرغبة في العودة للطبيعة حتى بالنسبة لهؤلاء، فما يروج في المجتمع الكوري قد يخفت بين برهة وأخرى، فأحيانا تختفي توجهات وتظهر أخرى في هذا البلد بذات السرعة.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Travel

-----------------------------------------------------

يمكنكم استلام إشعارات بأهم الموضوعات بعد تحميل أحدث نسخة من تطبيق بي بي سي عربي على هاتفكم المحمول.