ليدي غاغا تتألق في فيلم "ميلاد نجم" مع برادلي كوبر

مشهد ممن فيلم "ميلاد نجم مصدر الصورة Warner Bros

رغم الأدوار المتنوعة التي اضطلع بها برادلي كوبر في الفيلم الجديد "ميلاد نجم"، إذ أخرجه وشارك في كتابته وإنتاجه بل وقدم فيه أداءً تمثيلياً جيداً، فإن ليدي غاغا هي التي لمعت في أول دورٍ كبيرٍ يُسند إليها على شاشة السينما.

لا تمل شخصيات فيلم "ميلاد نجم" من أن تؤكد طيلة أحداثه على أن العامل الأكثر أهمية في عالم الموسيقى والغناء، هو أن يكون لدى المرء ما يقوله وليس أن يتحلى بالموهبة. لكن ذلك يمثل توجهاً محفوفاً بالمخاطر بالنسبة لعملٍ ميلودراميٍ ليس لديه الكثير مما يقدمه.

فالفيلم - الذي يتتبع مراحل العلاقة المضطربة بين مغنية ذات نجمٍ صاعدٍ ومغنٍ يأخذ نجمه في الأفول - هو الرابع الذي يستخدم الحبكة نفسها ويحمل الاسم ذاته، وهو ما يجعل بوسعنا تصنيفه على أنه إعادة معالجة لإعادة معالجة لإعادة معالجة ثالثة.

غير أنه من العسير تصور أي سبب أدى إلى إنتاج هذا العمل تحديداً، في ضوء أنه لا يتضمن أي شيء جديد تقريباً يميزه عن المعالجات السابقة للموضوع نفسه.

كما سيكون من الأصعب أن يفكر المرء في هذا الفيلم دون أن يرد على باله مصطلحٌ مثل "مشروع مفعم بالخيلاء والغرور" لوصفه، وذلك باعتبار أن العمل ربما يكون قد أظهر موهبة المشاركين فيه، ولكنه فشل في تحقيق أي أهداف.

فيلمنا هذا من إخراج برادلي كوبر، الذي شارك في كتابته وإنتاجه، بل وفي تمثيله أيضاً، إذ جسّد شخصية نجمٍ شهيرٍ للروك موهوب بشدة، لكنه ينزع إلى التصرف على نحو يلحق الضرر به هو نفسه.

ويمكن للمرء أن يُعقب على أداء كوبر في العمل، بأنه ربما كان سيحلو له أن يصبح موسيقياً، إذا لم يكن التوفيق قد حالفه في مجال التمثيل، وذلك في ظل إتقانه لتجسيد شخصيته كمغنٍ بارز.

لكن أداء كوبر مقنعاً لدور "جاكسون ماين" إذا ما قورن بأداء كريس كريستوفرسون للشخصية نفسها في نسخة عام 1975 التي شاركته فيها باربرا سترايسند.

ولا يبدو ذلك مفاجئاً على أي حال، فالأمر هنا يتعلق بمقارنة بين ممثل مثل كوبر شارك في بطولة أفلامٍ مثل "ذا هانغ أوفر"، وكريستوفرسون الذي اشترك في كتابة أحد أنجح أغنيات المغنية الأمريكية جانيس جوبلين.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption برادلي كوبر شارك في إخراج وتأليف وإنتاج الفيلم، بالإضافة إلى التمثيل أمام المغنية ليدي غاغا

لكن كوبر جسّد شخصية جاكسون هذا على نحوٍ قوي ومؤثرٍ، وهي لنجم روك منهكٍ يحلو له أن يبدو كـ"راعي بقر". لكن صورته المغبرة في هذا الشأن تبدو مؤلفةً من ملامح موسيقيين مثل أيدي فيدَر ونيل يونغ وجوني كاش وجيم موريسون، شاركوا في تكوينها بشكلٍ متساوٍ. أما طريقته في الحديث، التي ينخفض فيها صوته وتتداخل كلماته، فتوحي بأنه كان يتلقى دروساً في فن الإلقاء من سيلفستر ستالون.

ويظهر جاكسون للمرة الأولى على الشاشة في حفلٍ، وهو يحتسي الخمور ويتعاطى أقراصاً مخدرةً على ما يبدو، قبل انخراطه في العزف على الجيتار بصوتٍ مرتفعٍ على نحوٍ يجعلك تشعر بأن دويه يضربك في صدرك مباشرةً.

وعلى خشبة المسرح، يبذل الرجل كل ما في وسعه من جهد، لينهي عزفه خائر القوى تماماً، لا يجد سوى صفيراً حاداً يصّم أذنيه، ورغبةً عارمةً تجتاح أعماقه لاحتساء مشروبٍ كحوليٍ قوي التأثير.

وما أن ينتهي الحفل حتى يدخل مترنحاً إلى أقرب حانةٍ، ليلحظ "آلاي" التي تؤدي دورها ستيفاني جيرماناتا، المعروفة باسم "ليدي غاغا"، وهي نادلةٌ ومغنيةٌ وكاتبة أغاني طموحة، قيل لها مراراً وتكراراً بأن شكل أنفها لا يتناسب مع فتاةٍ ترغب في نيل النجومية في مجال الموسيقى والغناء.

لكن جاكسون يختلف بأدبٍ وتهذيبٍ مع هذا الرأي. وعندما يصدح صوت "آلاي" بأغنية "لا في إن أوروزو"، تظهر في سلسلة لقطاتٍ مقربةٍ حسية الطابع، تتسم بأنها حميميةٌ إلى حدٍ يصيبك بالارتباك. أما جاكسون فنراه مُحدقاً فيها وعيناه تلمعان، في حالة ذهولٍ وحيرةٍ من فرط ما يشعر به من تأثرٍ شديدٍ بغنائها.

وسواءٌ كنت ممن يؤمنون بالحب من أول نظرةٍ أم لا، فبوسعك أن تؤمن بأنه قد حدث بالفعل خلال هذا المشهد الساحر.

بعد ذلك يقنع جاكسون آلاي بالذهاب معه إلى حانةٍ أخرى، ليتحول الفيلم إلى عملٍ يتناول قصة إحدى "السندريلات"، وتصبح شخصية جاكسون مزيجاً من الجنيّة التي تحقق أحلام البطلة والأمير الوسيم الذي يخلب لبها.

بعد ذلك، نشاهد آلاي وهي تشرع في أداء أغنية من نَظْمِها، ولكن قبل أن نعرف كمشاهدين باقي كلمات الأغنية؛ نرى الفتاة وقد استقلت طائرةً خاصةً تأخذها إلى حفلٍ مُقامٍ في ملعبٍ رياضيٍ، يتسنى لها فيه أن تقدم أعمالاً غنائيةً بطريقة الدويتو مع جاكسون أمام عشرات الآلاف من المتفرجين.

ولا يمضي وقتٌ طويلٌ قبل أن يظهر مدير أعمالٍ بريطانيٌ معسول الحديث (يقوم بدوره رافي غافرون) ليقدم لها وعوداً مُبالغاً فيها إذا ما وقعت عقداً معه.

وسرعان ما يعيد هذا الرجل صياغة ملامحها وصورتها، لتصبح نجمة بوب حسناء بشعرٍ مصبوغٍ وقدرةٍ على أداء رقصاتٍ شبيهة بتمارين الأيروبيك، وهي أمورٌ يعارض جاكسون الكثير منها.

ويُظْهِرُ الفيلم مدير الأعمال الماكر هذا، في صورةٍ نمطيةٍ للشخصية الشريرة، إلى حد يجعل بمقدورنا وصف صاحبها بأنه عديم الإنسانية ومتعطشٌ دائماً للأموال. اللافت أن افتقار السيناريو للتبصر وللتفاصيل في آنٍ واحد، يظهر جلياً كلما ظهرت هذه الشخصية على الشاشة.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption من المتوقع أن تُرشح الأغنية الراقصة للمغنية ليدي غاغا لنيل جائزة أوسكار أفضل أغنية أصلية

من جهةٍ أخرى، يولي الفيلم عنايةً واهتماماً هائليْن لوصف الليلة التي يلتقي فيها الحبيبان ويتسكعان خلالها معاً في مختلف أنحاء المدينة التي يعيشان فيها. لكنه يمر بعد ذلك مرور الكرام على باقي جوانب حياة كلٍ منهما الشخصية والمهنية، وكأنه يلقي نظرةً متعجلةً على صورٍ التقطها أحدهم أثناء عطلته، دون أن ينظر قط عن كثب في طبيعة شخصيتيهما أو ما الذي يريدانه.

فرغم أن ليدي غاغا لا بد وأنها تعرف معلوماتٍ عن عالم نجومية مشاهير البوب، أكثر مما يمكن أن يعلمه معظمنا، يتسم الفيلم بغموضٍ ينطوي على قلة اكتراثٍ، فيما يتعلق بالسبب الذي يجعل شخصيةً سلبيةُ بشكلٍ عام مثل آلاي تحقق كل هذا النجاح، أو المدة التي استغرقها حدوث ذلك.

فهل جرى هذا الأمر في غضون أسابيع أو شهورٍ أو سنواتٍ؟ فقفزة هذه الشابة المبهمة والمرسومة على عجل في الفيلم صوب عالم الشهرة، تبدو وقد حدثت دون مساعدة مسؤولين تنفيذيين في شركات تسجيلاتٍ تتعاون معها هذه المغنية، وكذلك دون إجرائها مقابلاتٍ مع وسائل الإعلام، أو احتشاد معجبين حولها يطلبون التقاط صورٍ "سيلفي" معها.

المفارقة أن ضبابيةً مماثلةً تكسو مسيرة جاكسون، فالفرقة الموسيقية المُصاحبة له تختفي بلا أثر عندما لا يُطلب لإحياء حفلاتٍ غنائيةٍ. أما الفريق الإداري المعاون للرجل فيتقلص إلى ما لا يزيد عن ساعدٍ أيمن واحد مخلصٍ له (يقوم بدوره سام إليوت).

وهنا يبدو إدمان جاكسون للكحوليات مُقنعاً ومؤلماً بقدرٍ يكفي لأن يستخلص المرء العبر المتصلة به من الحياة ذاتها، بدلاً من أن يراها وهي تنبع من قصصٍ مُستمدةٍ من عالم المشاهير، وتحفل بالتحذيرات في هذا الصدد.

ورغم أن الفيلم مُخيبٌ للآمال، فلا ينفي ذلك أنه يتضمن عدداً من لحظات الذروة. وقد شاركت ليدي غاغا في كتابة غالبية الأغنيات التي نراها على الشاشة خلاله.

ومن المؤكد أن تُرشح الأغنية الراقصة التي تُختتم بها هذه الأعمال، لنيل جائزة أوسكار أفضل أغنيةٍ أصليةٍ، وهو ما يرمي له صناعها بشكلٍ واضحٍ للغاية. بل إن ليدي غاغا قد تُرشح للحصول على أوسكار أفضل ممثلة أيضاً.

فقد بدت هذه الشابة - في أول دورٍ سينمائيٍ كبيرٍ يُسند لها - جذابةً بشدة ومنفتحةً ومتواضعةً، بقدرٍ يجعلها جديرةً بما قد يُعرض عليها في الفترة المقبلة من المشاركة في أفلامٍ ذات طابع رومانسيٍ كوميدي، أو أعمالٍ تتناول عالم العصابات.

ولذا فحتى لو لم يكن "ميلاد نجم" قد حقق أياً من أهدافه، فيمكننا القول إنه شهد على الأقل "مولد نجمٍ" سينمائيٍ مثل ليدي غاغا.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Culture

المزيد حول هذه القصة