ما قصة النزاع الحدودي بين الولايات المتحدة وكندا؟

النزاع الحدودي بين الولايات المتحدة وكندا الذي لا يعرف الكثيرون عنه شيئا مصدر الصورة Image Professionals GmbH/Alamy
Image caption أشعل ممر مائي متنازع عليه حربا بين كندا والولايات المتحدة

تتدفق مياه مضيق مدخل ديكسون، الواقع بين أرخبيل هايدا غواي شمال مقاطعة كولومبيا البريطانية في كندا والطرف الجنوبي لشريط بانهاندل بولاية ألاسكا الأمريكية، نحو الشواطئ الصخرية والغابات الخضراء لجزيرة برينس أوف ويلز. وتجتذب مياه المضيق الغنية بالكائنات الحية الحيتان القاتلة وطيور القطرس وخمسة أنواع من السلمون.

وعندما كنا نبحر عبر المضيق، لم ندرك أننا غادرنا المياه الإقليمية الكندية ودخلنا الولايات المتحدة الأمريكية إلا عندما لاحظنا أن أجهزتنا الإلكترونية قد عادت ساعة إلى الوراء، بحسب التقويم المحلي في آلاسكا.

غير أن هذا الخط الذي اجتزناه للدخول إلى الولايات المتحدة ظل محل نزاع لسنوات طويلة. وقبل مجيء الأوروبيين إلى المنطقة، خاضت قبائل الهايدا وتلينغت وسيمشيان حروبا ومعارك للسيطرة على الحدود البرية والبحرية في هذه المنطقة الغنية بالثروات. والآن، لا يزال النزاع الحدودي مستمرا ولم تتغير سوى الأطراف المتحاربة والثروات مثار النزاع، إذ حلت الآن أسماك السلمون محل الفراء والذهب.

وعلى الرغم من أن الحدود الأمريكية الكندية طالما وصفت بأنها أطول حدود غير محصنة في العالم، إلا أن النزاع على مضيق مدخل ديكسون لا يزال واحدا من النزاعات الحدودية الأربعة طويلة الأمد بين الدولتين. إذ تعود جذور النزاع إلى القرن الثامن عشر، حين كانت منطقة بانهاندل في ألاسكا- وهي شريط ضيق من جبال وخلجان وجزر- مطمعا لثلاث قوى استعمارية، إنجلترا وروسيا ثم الولايات المتحدة.

وفي عام 1732، اكتشف الأسطول الروسي حين وصل إلى ألاسكا أن المنطقة غنية بالثعالب المائية، ودشن تجارة الفراء مع السكان الأصليين بألاسكا. وفي الستينيات من القرن الثامن عشر شرع الكابتن جيمس كوك في رسم خرائط لشمال المحيط الهادئ تمهيدا لدخول الأسطول الإنجليزي. ثم في مطلع القرن التاسع عشر، وصل المستكشفان الأمريكيان ميريويذر لويس وويليام كلارك إلى شمال غرب المحيط الهادئ.

ومن ثم اجتمعت عوامل الصراع الإقليمي. وسرعان ما انهارت الشعوب الأصلية في المنطقة تحت وطأة الأمراض والحروب. وفي عام 1825 أُبرمت اتفاقية سانت بطرسبرغ بين إنجلترا وروسيا لترسيم الحدود الساحلية الجنوبية لمنطقة بانهاندل بالقرب من مدينة برنس روبرت بمقاطعة كولومبيا البريطانية، لكن الجبال في المنطقة حالت دون مسح المنطقة بأكملها.

مصدر الصورة Diane Selkirk
Image caption تندلع مصادمات طفيفة كلما صادف الصيادون الكنديون مراكب صيد تابعة لولاية آلاسكا في المياه المتنازع عليها

وفي عام 1867، اشترت الولايات المتحدة ألاسكا من روسيا، وبعد سنوات قليلة انضمت مقاطعة كولومبيا البريطانية إلى كندا. لكن الولايات المتحدة لم تكلف نفسها عناء تنفيذ مسح رسمي لأراضي شريط بانهاندل بغية تعيين الحدود بين البلدين.

ثم اكتشف الذهب في مقاطعة كولومبيا البريطانية أولا ثم في حوض نهر كلوندايك شمال غربي إقليم يوكون بكندا. وقدر آنذاك عدد الأشخاص الذين هاجروا إلى المنطقة للتنقيب عن الذهب بنحو 100,000 شخص، وتبين أن أسهل الطرق للوصول إلى مناجم الذهب كانت عبر مضيق مدخل ديكسون، ثم برا عبر لسان بانهاندل.

وبينما أرادت كندا تسهيل دخول المهاجرين إلى أراضيها، فإن الولايات المتحدة لم تكن مستعدة للتنازل عن أي من الأراضي التابعة لها. وبعد محاولات عديدة للتوصل إلى اتفاق، وصلت المفاوضات بين البلدين في عام 1899 إلى طريق مسدود.

وفي عام 1903، تأسست محكمة دولية لحل النزاع الحدودي في ألاسكا، وتألفت المحكمة من ستة فقهاء قانونيين محايدين من الولايات المتحدة وكندا وإنجلترا، وقررت المحكمة أن تكون حدود ألاسكا الشرقية على بُعد 56 كيلومترا من نقطة التقاء المحيط والساحل. أما الحد الجنوبي فيمتد من الطرف الجنوبي لجزيرة دال بمحاذاة ساحل ألاسكا، ويمر شرقا عبر مدخل ديكسون إلى قناة بورتلاند ثم ينتهي في سلسلة جبال شاطئ المحيط الهادئ غربي الولايات المتحدة.

لكن هذا القرار أثار غضب كندا. وفي الوقت نفسه، أعلنت الولايات المتحدة أن هذا القرار يسري على الحدود البرية فقط وأن الحدود البحرية تبعد 20 كيلومترا عن هذا الخط أي في منتصف مدخل ديكسون، وأثار هذا الموقف خلافا لا يزال دائرا حتى الآن.

مصدر الصورة Diane Selkirk
Image caption تتدفق مياه مضيق مدخل ديكسون نحو الشواطئ الوعرة والغابات الخضراء لجزيرة برينس أوف ويلز والبر الرئيسي

واليوم يبحر نحو 1.5 مليون شخص سنويا عبر هذا الحد المتنازع عليه سنويا. وقد يبدو غريبا أن هاتين الدولتين الحليفتين لم تتمكنا حتى الآن من حسم النزاع حول ملكية هذا الممر المائي الذي لا يتعدى عرضه 80 كيلومترا وطوله 50 كيلومترا. لكن ثمة سببا وجيها يبرر استمرار الخلاف الدائر حول هذا المضيق، وهو الهجرة السنوية لأسماك السلمون.

إذ يمثل الصيد رافدا اقتصاديا مهما في منطقة الشمال الغربي للمحيط الهادئ نظرا لوفرة السلمون وهجرته السنوية عبر المنطقة. وأنشئ في أنحاء كولومبيا البريطانية أكثر من 100 مصنع لتعليب الأطعمة وقرى للصيادين، وتصدر المقاطعة السلمون البري إلى 53 دولة مختلفة.

وتمر خمسة أنواع من السلمون عبر المضيق في رحلتها من المحيط إلى الأنهار الخاصة بكل نوع منها في ألاسكا، أو كولومبيا البريطانية أو واشنطن أو أوريغون حيث تبيض وتموت بعدها مباشرة.

وتترقب وصول أسماك السلمون في طريق عودتها إلى الأنهار مجموعتان من مراكب الصيادين، تتبع كل مجموعة منها قانون البلد التابعة له. وتحاول كل منهما اصطياد نصيبها من السلمون من المياه المتنازع عليها، وأشعل هذا الصراع المستمر بين مجموعات الصيادين معركة بين الجانبين تبدو خامدة لكنها تتحول إلى صراعات أحيانا، مثلما حدث أثناء "حروب السلمون" التي وقعت بين الصيادين الكنديين والصيادين من ولاية ألاسكا في التسعينيات من القرن الماضي.

وفي الثلاثينيات من القرن العشرين، حاولت الولايات المتحدة وكندا تحديد أنواع السلمون الذي تملكه كل منها، لأن كل نوع من السلمون يعود إلى نهر محدد في كل بلد من البلدين. وأدى الصيد غير المنظم في بعض الحالات إلى حرمان بعض المناطق من السلمون الذي اعتاد على المرور منها وتدمير مصائد الأسماك المحلية.

وفي عام 1985 وُقعت معاهدة السلمون في المحيط الهادئ، التي استغرقت صياغتها 15 عاما، وكان الهدف منها ضمان حقوق الصيادين من الدولتين في الحصول على نصيبهم العادل من السلمون في الأنهار المخصصة لكل بلد من البلدين بمحاذاة المحيط الهادئ. لكن في عام 1992، اندلعت أزمة بين البلدين استمرت ست سنوات، بدأت حين ألقت كل من الدولتين القبض على مراكب الصيد التجارية التابعة للأخرى.

وتصاعدت حدة التوتر بين البلدين حين احتجز مئات الصيادين الكنديين عبّارة تابعة لولاية ألاسكا في ميناء برينس ألبرت لمدة ثلاثة أيام في عام 1997 وأخذوا ركابها رهائن.

مصدر الصورة Diane Selkirk
Image caption يمثل صيد السلمون رافدا رئيسيا لاقتصاد الشمال الغربي للمحيط الهادئ

ووقعت اتفاقية أخرى لمدة عشر سنوات لزيادة حقوق الصيادين المحليين ونزع فتيل الأزمة بين البلدين في عام 1999، لكنها لم تنجح في حل النزاع الحدودي، ولم تمنع وقوع مصادمات طفيفة بين الصيادين الكنديين ومراكب الصيد التابعة لولاية ألاسكا في المياه المتنازع عليها.

وخصصت كندا خطا ساخنا للإبلاغ عن أي تعدٍ من الجانب الأمريكي له صلة بسمك السلمون، ولم تحتج الولايات المتحدة لتخصيص خط مماثل، لأن المراكب الأمريكية كانت أكثر خرقا للقوانين من المراكب الكندية.

غير أن انخفاض مخزون الأسماك المتوقع بانتهاء سريان معاهدة السلمون في المحيط الهادئ في نهاية العام الحالي قد يضع نهاية للهدنة بين الجانبين.

وبينما يتناقل السكان المحليون أساطير عن أنهار مملؤة بالسلمون الأحمر إلى حد أنك إذا مشيت على ظهرها ستصل إلى الطرف الآخر من النهر دون أن تبتل قدميك، إلا أنني عندما وقفت على حافة نهر أدامز في الشهر الماضي، لم أجد إلا بضعة صيادين يجمعون آخر ما تبقى من الأسماك المهاجرة.

وتسهم أسماك السلمون المهاجرة التي تقطع سنويا 4,000 كيلومتر من الأنهار إلى البحار ذهابا وعودة وتمر عبر مدخل ديكسون، بنصيب كبير في اقتصاد كولومبيا البريطانية، إلى جانب أنها تمثل مصدر غذاء للحيتان القاتلة والدببة والنسور التي تعتمد على الأنهار.

ويحرص سكان المنطقة على تنظيف الأنهار لحماية السلمون، ويتلقى أطفال المدارس دروسا في المزارع السمكية. ويتولى الصيادون في مدخل ديكسون حراسة الجزء الخاص بهم من المحيط ويقفون بالمرصاد لأي سفينة تنتهك الاتفاقية الخاصة بالحدود.

ووسط هذه الصراعات والنزاعات، يسبح السلمون كالمعتاد ويعبر الحدود والتخوم وتمر السفن السياحية والعبارات ويتعجب الركاب على متنها لجمال الطبيعة والقمم الجليدية والجبال الخضراء التي تناطح السحاب، والشلالات والثعالب المائية والحيتان القاتلة والطيور البحرية والدببة، ولا أحد يدري أن كل هذا الجمال يرتبط بأسماك السلمون التي تسبح في الأعماق.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Travel

المزيد حول هذه القصة