لماذا لا نحد من خسائر الأعاصير رغم علمنا بقدومها؟

شخص يتفقد آثار الإعصار أمام منزله في فلوريدا مصدر الصورة Getty Images

نحن نعرف كيف نقلل من الخسائر البشرية والاقتصادية التي تخلفها الأعاصير، لكن لماذا نتقاعس عن اتخاذ المزيد من التدابير للحد من تداعياتها، كما تتساءل الصحفية أماندا روغيري؟

عصف الإعصار إيرما بالجزر الكاريبية وسوى مبانيها بالأرض، مخلفا ما لا يقل عن عشرة قتلى، واتجه بسرعة هائلة صوب ولاية فلوريدا. ولا أحد يعلم ما الذي ستخلفه هذه العاصفة من دمار، لكن سرعة الرياح التي قد تصل إلى 296 كيلومترا في الساعة، ومسار الإعصار المتجه مباشرة نحو ولاية فلوريدا، لا يبشران بخير.

ويأتي كل هذا في وقت لم تتعافَ فيه بعد الولايات المتحدة من آثار الإعصار هارفي، الذي أدى لحدوث فيضانات وخلّف دمارا واسعا في ولاية تكساس، وامتد إلى ولاية لويزيانا. ليس هذا فحسب، بل ضرب إعصاران آخران، هما جوس وكيتي، مساحات واسعة عبر المحيط الأطلنطي وخليج المكسيك.

ويتسبب موسم الأعاصير الذي نشهده هذا العام في أزمة مروعة. فقد تبدو هذه الأعاصير بسبب حجمها وتداعياتها كما لو كانت كوارث منقطعة النظير. ولهذا، يبحث السياسيون والمراسلون عن كلمات تترادف مع عبارة "لم يسبق لها مثيل" لوصف آثارها.

ومن وجهة نظر الأفراد الذين يرون هذه الأعاصير، فإنها بالفعل غير مسبوقة. إذ ينظر الأفراد، مثل الكثير من سكان مدينة هيوستن، إلى هذه الأعاصير التي لم يروا لها مثيلا قط على أنها ظاهرة استثنائية غير معهودة.

ولكن الكوارث الطبيعية ليست استثنائية، بل باتت متكررة أكثر من اللازم، وربما يخلّف تكرار وقوعها بهذا المعدل أضرارا أوسع من أي وقت سابق. لكن التفكير في كل كارثة عندما تقع بمعزل عن سائر الكوارث، سيكون له تبعات خطيرة، وربما يزيد حصيلة القتلى أيضا، وذلك لأسباب عديدة، على رأسها أنه يثنينا عن اتخاذ الاحياطات اللازمة تحسبا لوقوعها.

وثمة طرق معروفة، وبسيطة أحيانا، للحد من الخسائر البشرية والاقتصادية للكوارث من هذا النوع. لكن المشكلة أن هذه الطرق تستدعي تضافر الساسة والشركات والشعب معا لتغيير نظرتنا للمستقبل.

من الطبيعي أن نؤجل الاستعداد لشيء نستبعد حدوثه نسبيا. وهذا ينطبق تحديدا عندما تكلفنا هذه الاستعدادات مبالغ مالية. فإذا كان لديك مبلغ من المال هل ستخصصه لتركيب سقف منزلك الذي تحتاجه اليوم أم ستدفعه في أقساط التأمين على الحياة التي قد لا تحتاجها عائلتك لسنوات؟

مصدر الصورة Getty Images
Image caption المسؤولون بالمتنزهات يملؤون أكياس بالرمال لمساعدة سكان فلوريدا في الاستعداد لإعصار إيرما

لكن من خاطر بعدم سداد أقساط التأمين الصحي ثم وقع فريسة المرض، يعلم جيدا أن دفع المال الآن تحسبا للإصابة بالمرض، قد يوفر علينا مبالغ تفوق ما أنفقناه بمراحل.

وإلى جانب الخسائر البشرية التي لا تعوض بالطبع، تتكبد البلاد أيضا خسائر اقتصادية. وذكرت مقالة سابقة عن التصدي للكوارث في "بي بي سي فيوتشر" أن دراسة في الولايات المتحدة، على سبيل المثال، أوضحت أن الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ وفرت أربعة دولارات في مقابل كل دولار أنفقته على الاحتياطات التي اتخذتها تحسبا للكوارث.

ورغم أن المبالغ التي توفرها هذه الاحتياطات على الدولة تتفاوت من حالة لأخرى، وأحيانا لا توفر أي أموال على الإطلاق، فقد كشف تقرير صادر عن البنك الدولي مؤخرا تحت عنوان "تخفيف وطأة الكوارث له جدوى اقتصادية" عن أن الجهود التي تبذل للحد من آثار الكوارث حول العالم، من رفع مستوى الأرضيات في المنازل المعرضة للفيضانات في جزر ساموا، إلى تركيب أجهزة مراقبة البراكين في الفلبين، مجدية اقتصاديا.

ومن المفترض أن تشرف المؤسسات، التي تفوق قدرة الأفراد والعائلات، سواء كانت هيئات الإسكان أو الحكومة الفيدرالية، على الأوضاع في المناطق التي تقع ضمن حدود مسؤوليتها، لتضع الخطط وفقا لتحاليل محايدة تستند إلى الأرقام، وتتصرف بناء عليها.

وهذا يحدث بالفعل في بعض المناطق، منها ولاية فلوريدا على سبيل المثال، حيث أعاد الدمار الذي خلفه الإعصار أندرو في عام 1992 إلى الواجهة دور التخطيط والإنفاق تحسبا لوقوع الكوارث.

وأدخلت الولاية الكثير من التغييرات على السياسة التخطيطة. ولهذا تتضمن الآن أغلب المنازل في الولاية زجاجا وأسقفا مقاومة للأعاصير، وأعمدة خرسانية لتدعيمها، وإن كانت معايير البناء المعمول بها في الولاية قد تحتاج إلى تعديل لمواجهة ارتفاع مستويات سطح البحر.

تقول نيكول هيفتي، مديرة إدارة الاستدامة بمقاطعة ميامي ديد، بولاية فلوريدا: "عندما واجهنا الإعصار أندرو في الماضي، أصدرنا مجموعة شروط ومعايير صارمة للغاية لحماية المباني في الولاية من الرياح. وعلت أصوات بعض المطورين الذين رفضوا هذه التدابير بدعوى أنها 'مكلفة للغاية، ولن نستطيع أن ننفذها'، لكننا طبقناها في نهاية الأمر وأثبتت جدواها".

وتضيف: "والآن، أصبحت المباني في مقاطعتنا أكثر مقاومة للرياح من أي مبانٍ أخرى في سائر المقاطعات. وتعد هذه المعايير من أكثر معايير البناء فعالية في الحماية من الرياح على مستوى الولايات المتحدة الأمريكية".

لكن في ظل تقليص الموازنات، وإعطاء الأولوية للإنفاق على المتطلبات الملحة كالمدارس والشرطة، ومعارضة المطورين للقواعد والشروط، واستشراف الكثير من السياسيين للمستقبل حتى انقضاء فترة ولايتهم فقط، يخاطر الكثير من واضعي السياسات أيضا ولا يتخذون الاستعدادات الكافية لمواجهة الكوارث، أو ببساطة تُعجزهم كثرة المتطلبات الآنية عن وضع الاستعدادات للحد من آثار الكوارث في مقدمة الأولويات.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption أحد سكان مدينة إسلامورادا في ولاية فلوريدا، ويدعى جوردون فورغيت، يركب مصراعا للحماية من الأعاصير، في السادس من سبتمبر/أيلول 2017

وكانت مدينة هيوستن مثالا أخيرا ومفجعا على هذا النهج في التعامل مع الكوارث. وكان للطبيعة الجغرافية لمدينة هيوستن دورٌ في اتساع حجم الدمار الذي خلفه الفيضان في المدينة.

فالمدينة ذات أراض منبسطة، وتكاد تكون في مستوى سطح البحر، وتربتها لا تصرف المياه بسهولة. لكن ثمة أسباب أخرى من صنع الإنسان، مثل طفرة العمران التي شهدتها المدينة مؤخرا، وعدم تحديث تدابير الحماية من الفيضانات ولا قواعد ومعايير البناء، ولا أنظمة الصرف لتلائم المخاطر الجديدة. وقد وُجهت تحذيرات للمسؤولين، لكنهم لم يكترثوا لها.

وهذا الأسلوب في التسويف والمماطلة لم يطل السياسات الحكومية وحدها، فلم يهتم الكثير من الأفراد كذلك والمجتمعات وحتى الشركات بحماية أنفسهم ماليا من الكوارث الطبيعية. وفي العام الماضي، بلغت نسبة الخسائر التي تغطيها شركات التأمين 26 في المئة فقط من إجمالي الخسائر الاقتصادية الناجمة عن الكوارث الطبيعية. وهذه الخسائر لم تكن يسيرة، فقد كبدت الكوارث الطبيعية الولايات المتحدة وحدها 210 مليار دولار، ويعد هذا العام هو الأعلى تكلفة منذ عام 2012.

فما هو الخطر الأعلى تكلفة؟ للسنة الرابعة على التوالي تمثل الفيضانات التهديد الأعلى تكلفة من بين الكوارث الطبيعية.

ويُعد برنامج التأمين الوطني ضد الفيضانات التابع للوكالة الفيدرالية للطورائ واحدا من برامج شركات التأمين المعروفة في المناطق المعرضة للفيضانات. لكن المفارقة أن هذا البرنامج لم يكن مستعدا بما يتناسب مع حجم الأزمات التي واجهتها الولايات المتحدة.

ورغم تراكم الديون على البرنامج الوطني للتأمين ضد الفيضانات، والتي اقتربت من 25 مليار دولار، فإن البرنامج الوطني لم يقدم وثيقة جديدة لشراء برنامج يعرف بـ "برنامج إعادة التأمين" إلا في سبتمبر/أيلول من العام الماضي. وبموجب هذه الوثيقة، يحمي البرنامج الوطني نفسه من الخسائر المحتملة التي تفوق إمكانياته.

ونظرا لارتفاع خسائر الإعصار هارفي، التي تتراوح بحسب التقديرات بين 10 مليارات و20 مليار دولار، مما سيؤدي بالطبع إلى زيادة مبالغ التعويضات المستحقة التي سيدفعها البرنامج الوطني عن الخسائر المؤمن عليها، فمن الواضح أن شراء برنامج إعادة التأمين، الذي جددته الشركة في يناير/كانون ثاني 2017، كان قرارا صائبا.

لكن البرنامج الوطني لا يتمتع بالكفاءة المطلوبة لمواجهة الأزمات، فالغطاء التأميني الذي يوفره برنامج إعادة التأمين عن الخسائر التي تفوق إمكانيات البرنامج الوطني المالية، ستساعده فقط في عدم اقتراض المزيد من الديون في حالة وقوع كوارث في المستقبل، لكنها لن تسهم في سداد الديون المتراكمة عليه بالفعل، والتي ربما سيتحمل أغلبها دافعو الضرائب.

ويتعامل الناس، على اختلاف أساليبهم، مع هذه الأنواع من الكوارث على أنها حوادث استثنائية لن تتكرر. لكن شدة الأعاصير التي شهدناها في موسم الأعاصير الحالي أثبتت العكس. فهذا النوع من الأعاصير التي تقتلع أسقف المنازل وتحصد الأرواح، كما شاهدنا مؤخرا، ليس استثنائيا.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption كتب أحد أصحاب الشركات في ولاية فلوريدا هذه اللافتة، يدعو فيها للاستعداد للرحيل لتجنب آثار إعصار إيرما

لقد أصبحت الأعاصير أقوى من أي وقت مضى. وقد ذكرت وكالة ناسا للفضاء أنه ثمة دراسات خلصت إلى أن الأعاصير تزداد قوتها بوتيرة أسرع، وأن سرعة الرياح التي تحملها الأعاصير أصبحت أسرع بنسبه خمسة في المئة، وأنها تحتوي على نسبة أعلى من بخار الماء، (وهذا يعني أمطار أكثر غزارة) مقارنة بما كانت عليه منذ نحو 20 إلى 25 عاما مضى.

وهذه الزيادة في شدة الأعاصير تسير بالتوازي مع التضخم السكاني، وارتفاع أسعار العقارات على طول السواحل المعرضة للأعاصير، وكل هذا يسهم في تكرار وقوع الكوارث الطبيعية التي تكبد البلاد تكاليف اقتصادية باهظة إلى أقصى حد.

فقد تكبدت الولايات المتحدة 15 مليار دولار جراء الكوارث الطبيعية التي شهدتها في عام 2016، في حين بلغت قيمة الخسائر التي تكبدتها الولايات المتحدة بسبب الكوارث الطبيعية في عام 1980 ما يعادل ثلاثة مليارات دولار (وقد عدلت النتائج لتتوافق مع معدل التضخم الحالي).

أضف إلى ذلك أن المناطق التي كانت معروفة بأنها غير معرضة للأعاصير لم تعد محصنة من الكوارث. ولو نظرنا لأول وهلة لمدينة هيوستن، فإن ضعف الاستعدادت لمواجهة للفيضانات تشير إلى أن المدينة لم تتوقع إعصارا بهذا الشكل. ويعزى ذلك إلى أن احتمالات تعرض المدينة لإعصار في حجم هارفي لا تتجاوز 0.2 في المئة، أي لا تتكرر إلا كل 500 عام.

لكن ثلاثة أعاصير من هذا النوع الذي لا يتكرر إلا كل 500 عام قد ضربت مدينة هيوستن بالفعل في السنوات العشرة الأخيرة.

ولا ننكر أن بعض المدن، مثل هيوستن أو حتى ميامي، قد لا تتعرض لأعاصير أخرى مثل هارفي وإيرما لعشرة أعوام أو 50 أو حتى 250 عاما في المستقبل، وقد تنفق أموالا ووقتا في إصدار لوائح جديدة وقوانين لتنظيم استخدام الأراضي، وقد توجه الأموال إلى إقامة أنظمة صرف جديدة ومصدات أمواج أكثر ارتفاعا، وحواجز منيعة للحماية من الفيضانات، على حساب الأولويات الأخرى.

وقد ينفق البرنامج الوطني للتأمين ضد الفيضانات مليارات الدولارات لتوسيع نطاق برنامج إعادة التأمين. ويتذمر المواطنون لسنوات لأن كل هذه الأموال قد ذهبت هباء.

والمشكلة أن البيانات والمعدلات المستنبطة من الماضي لا يمكنها التكهن بما سيحدث مستقبلا.

لكن نظرا لارتفاع خسائر الكوارث الطبيعية، فإن جميع المدن، حتى المناطق التي لم تتعرض إلا مرات قليلة لكوارث طبيعية في الماضي، يجدر بها أن تتساءل إن كانت ستستطيع أن تتحمل تبعات كوارث طبيعية لم تستعد لمواجهتها.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Future .

مواضيع ذات صلة

المزيد حول هذه القصة