تعرف على "الوقود الصلب" الذي يستخدم مع جيل جديد من صواريخ الفضاء

موقع تصنيع الوقود الصلب للصواريخ الفضائية مصدر الصورة ESA

لم أزر مكانا من قبل يزخر بهذا الكم الهائل من اللافتات التحذيرية، التي تشير إلى وجوب ارتداء زي واق وقفازات وجهاز تنفس. لكنني لم أرتد أيا من ذلك.

حذرني البعض من مخاطر وقوع انفجارات. كما لاحظت في الخارج تحذيرات أخرى من الثعابين والعناكب السامة.

وفي غرفة تقع في القاعدة الفضائية الأوروبية في كورو بإقليم غويانا الفرنسي في أمريكا الجنوبية، يعكف مهندسون على خلط العناصر اللازمة لتصنيع وقود الصواريخ الصلب.

هذا المصنع الأوروبي لإنتاج وقود الصواريخ هو شراكة بين مجموعة "أريان غروب" وشركة "أفيو" الإيطالية.

ويقول ديفيد كوانكارد، مدير العمليات بشركة "أريان غروب": "يكون الوقود في البداية سائلا، ثم نخضعه لمجموعة عمليات ليصير صلبا".

وتجرى عملية المزج، بسبب خطورتها، خلف جدران خرسانية سميكة في مبنى معزول وسط غابة استوائية. ويتحكم العلماء في هذه العمليات عن بعد من مبنى آخر محصن يبعد عنه مئات الأمتار، وأُحيطت المنطقة بأكملها بسياج أمني وأسلاك شائكة وأبراج مراقبة.

وتستخدم الصواريخ التي تعمل بالوقود الصلب عادة للأغراض العسكرية، مثل صاروخ ترايدنت الباليستي العابر للقارات أو صاروخ "إكزوسيت" الفرنسي، وتستخدم أيضا كمعززات للدفع الصاروخي، مثل معززات المكوك الفضائي التابع لوكالة "ناسا" الفضائية الذي يسمى رسميا "نظام النقل الفضائي".

مصدر الصورة Richard Hollingham
Image caption تزخر جدران المصنع بلافتات تحذيرية عن قابلية اشتعال الوقود الصلب

لكن الوقود الذي يجري تصنيعه في قاعدة كورو الفضائية، سيستخدم خصيصا لتشغيل صاروخين مختلفين، هما معززات صاروخ "أريان 5" العملاق، المصمم لنقل المركبات الفضائية الضخمة، مثل الأقمار الصناعية للاتصالات والبعثات العلمية التي ستسبر أغوار الفضاء، والمراحل الثلاثة الأولى من صاروخ فيغا البالغ ارتفاعه 110 أقدام، والذي يستخدم في نقل حمولات أصغر حجما إلى المدار الأرضي المنخفض.

وعلى غرار الألعاب النارية، لا يوجد في المعززات أو المحركات التي تعمل بالوقود الصلب صمامات داخلية أو أنابيب أو أجزاء متحركة، فبمجرد ما يشتعل الوقود الصلب، ينطلق الصاروخ على الفور، ولن تتمكن من إيقافه. ولهذا السبب يتعين تصنيع الوقود في موقع إطلاق الصواريخ، لأن نقل الصواريخ التي تعمل بالوقود الصلب عبر المحيط الأطلسي من أوروبا محفوف بمخاطر متعددة.

وتوضع عناصر الوقود الصلب في جهاز خلط ضخم، يشبه الآلات التي تجدها في المخابز الصناعية، ويعد هذا الجهاز واحدا من أكبر أجهزة الخلط في العالم.

ويتضمن الجهاز شفرات عديدة تدور بسرعة تتراوح بين 500 و1000 دورة في الدقيقة من دون أن تلامس جوانب الوعاء لتلافي خطر الاشتعال. ويخلط هذا الجهاز في كل مرة ما لا يقل عن 12 طنا من الوقود الدافع.

وتصل أوعية الخلط إلى المصنع مملؤة بخليط لزج خامل من الألومنيوم وأكسيد الحديد ومواد رابطة. ثم يُسخن الخليط حتى درجة حرارة 75 درجة مئوية، وأثناء دوران الشفرات يُنثر على الخليط من أنبوب أعلى الوعاء مسحوق فوق كلوريد الأمونيوم. ولكن الشركة لم تفصح عن نسب وعناصر الخليط تحديدا.

وبعد الخلط، يُنقل الوقود إلى مبنى أخر ويخضع لعمليات كيميائية إضافية حتى يأخذ شكل بنية الصاروخ.

وقد صُنع غلاف محرك صاروخ فيغا في أيطاليا، ويتكون من أنابيب مجوفة صغيرة خفيفة الوزن مصنوعة من ألياف الكربون ومبطنة بمادة عازلة.

مصدر الصورة Richard Hollingham
Image caption زُودت منصة بناء الصواريخ بعجلات ضخمة تسير على قضبان لتسهل نقلها من مكان لأخر

ويقول كوانكارد: "عندما يتعرض الخليط للحرارة يصير صلبا، ويمكنك إزالة القالب بسهولة وبذلك يصبح الوقود مطابقا لشكل غلاف المحرك".

ثم يخضع الوقود الصلب للفحوصات بحثا عن عيوب، ويختزن لمدة شهر حتى تستقر الروابط بين الوقود والغلاف. وبإضافة نظام الإشعال، يصبح الصاروخ جاهزا للانطلاق.

عند هذه المرحلة، يعد الوقود آمنا. ولكنني كنت في مخزن يطل على ثلاثة مراحل ضخمة من الصاروخ مملوءة بالوقود. وكما هو الحال في محطات الوقود، يحظر حمل الهواتف المحمولة، ولكن الفارق أن العواقب هنا أشد وخامة منها في محطات الوقود.

دخل الصاروخ أريان 5 في الخدمة منذ عام 1996، وأُطلق خلال هذه الفترة 98 مرة إلى الفضاء بنجاح ولم تخفق سوى محاولتين لإطلاقه لأسباب ليس لها صلة بالوقود الصلب. ولهذا يعد آريان من الصواريخ الأكثر كفاءة في العالم.

والأمر نفسه ينطبق على صاروخ فيغا، الذي نجحت جميع محاولات إطلاقه منذ أن دخل الخدمة في عام 2012. ولكن الصاروخين في حاجة للتحديث، سواء من حيث الأداء أو الكفاءة، للحد من تكاليف تشغيلهما ولإضافة مميزات جديدة تساعدهما في الصمود في مواجهة الصواريخ المنافسة في السوق.

ويجري الآن إعداد صاروخ حامل مزود بأول محرك من الجيل الجديد من المحركات المصنوعة من ألياف الكربون التي تعمل بالوقود الصلب، وسيمر الصاروخ بالاختبارات والفحوصات اللازمة في قاعدة كورو الفضائية. ويعد هذا المحرك "بي 120 سي" واحدا من أكبر محركات الصواريخ التي تعمل بالوقود الصلب، إذ يحمل كل محرك 140 طنا من الوقود الدافع.

مصدر الصورة ESA
Image caption عملية نقل معززات الصواريخ بطيئة ولكنها ثابتة

ومولت وكالة الفضاء الأوروبية تطوير هذا المحرك، ومن المتوقع أن يستخدم لكل من معززات الدفع لصاروخ أريان 6 الجديد، والمرحلة الأولى من صاروخ "فيغا سي" المطور.

ويقول كوانكارد: "لأول مرة في التاريخ نستخدم نفس المرحلة لصاروخين حاملين مختلفين"

وفي مبنى أخر يعرف باسم مبنى تجميع معززات الصواريخ، استعرض كوانكارد نموذج بالحجم الطبيعي للمحرك الصاروخي "بي 120 سي" الذي يعادل ارتفاع مبنى مكون من أربعة طوابق.

ويستخدم هذا النموذج لاختبار العمليات اللازمة لنقل الصواريخ من مكان لآخر داخل الميناء الفضائي والاستعدادات الأخيرة قبل الإطلاق. ويقول كوانكارد: "يحتوي هذا الخليط على نفس نسبة لزوجة الوقود الدافع، ولكنه خامل لمراعاة أعلى مستويات الآمان عند اختبار جميع عمليات تصنيع وتجميع هذا المحرك الجديد".

وبمجرد تجميع معززات الدفع الصاروخي أو (المحركات) التي تعمل بالوقود الصلب، واختبارها، توضع على بعد بضعة كيلومترات من منصة الإطلاق.

ويستعد ماركو كالكبريني، المهندس المسؤول بمنصة إطلاق فيغا، لتنفيذ مهمته الجديدة، وهي إطلاق القمر الصناعي الأوروبي "أيولوس"، لقياس شدة الرياح على مستوى العالم.

ويعمل كالكبريني وفريقه على تجميع أجزاء الصاروخ "فيغا" الذي يعمل بالوقود الصلب على رافعة متحركة تعادل ارتفاع مبنى مكون من 12 طابقا، وفي النهاية سيضعون القمر الصناعي فوق الصاروخ العلوي الذي يعمل بالوقود السائل.

مصدر الصورة Richard Hollingham
Image caption يقول ماركو كالكبريني إن ضغط العمل وضيق الوقت أثناء عمليات الفحص يحفزاه هو وفريقه على العمل الشاق

واستخدم في المرحلة الأخيرة محرك يعمل بالوقود السائل لأن الصواريخ التي تعمل بالوقود السائل تتيح لمراقبي البعثات الفضائية وضع الأقمار الصناعية في المدارات المحددة.

وستصل المرحلة الأولى من الصاروخ إلى المنصة بعد 31 يوما من إطلاقه. وفي خلال هذه المدة، سيحاول كالكبريني وضع القمر الصناعي في مكانه في غضون ثمانية أيام فقط والتأكد من أن كل شيء يعمل على ما يرام.

ويقول كالكبريني: "هذه الضغوط هي التي تحفزنا للعمل بجدية، وهذا ما يجعل مهنتنا ممتعة. فنحن نعمل كفريق واحد، وكلنا نلتزم بمهمة واحدة، فلا يمكن أن نخلف موعد إطلاق الصاروخ".

وتعد الصواريخ ذات الوقود الصلب أسهل وأرخص وأكفأ من نظيرتها ذات الوقود السائل. وتحتل أوروبا الصدارة عالميا في تطوير الصواريخ ذات الوقود الصلب، إذا وضعنا في الاعتبار هذا المصنع لإنتاج وقود الصواريخ.

وبمجرد اشتعال الصاروخ فيغا وإطلاقه، سيستمر في الاحتراق حتى ينفد الوقود، بعدها تسقط بقايا ألياف المحرك المصنوع من ألياف الكربون في الميحط، ولن يكون صالحا لإعادة الاستخدام. وإذا سارت الأمور كما هو مخطط لها، سيصل القمر الصناعي المصمم لمراقبة الرياح إلى المدار الأرضي المنخفض، ولكن الصاروخ الذي أوصله إلى هناك لن يكون له أثر.

ويقول كالكبريني: "هذه هي اللحظة التي نعمل من أجلها. ففي كل مهمة، تتضافر جهود آلاف العاملين من أجل عملية الإطلاق التي لا تتعدى دقائق معدودة".

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Future

-----------------------------------------------------

يمكنكم استلام إشعارات بأهم الموضوعات بعد تحميل أحدث نسخة من تطبيق بي بي سي عربي على هاتفكم المحمول.

المزيد حول هذه القصة