من "البقرة الحبلى" إلى درجة "الفلفل الحار" كيف يبتكر البشر مؤشرات قياس جديدة؟

  • أدرين بيرنهارد
  • صحفية
الفلفل الحار

صدر الصورة، Alamy

يعج عالمنا بقياسات حسابية دقيقة - وهناك قياسات أخرى غير تقليدية (كيفية) من قبيل شدة الريح، ودرجة الفلفل الحار، وغيرها من أمور تمس حياة البشر.

كيف تعرف أي أنواع الفلفل الحار أشد من غيره؟ أيهما أصلب الماس أم الكوارتز؟ نقول سأراك خلال "برهة" أو خلال "لحظة"، أو "وهلة" - فأيهم أقرب بمقياس الزمن والوقت؟

هناك الكثير من القياسات التي تساعدنا على التعامل مع العالم المادي، منها ما يقيس الكم اعتمادا على قيمة حسابية مقارنة بأخرى، من قبيل البوصة والقدم والياردة والميل، والأوقية واللتر والغالون، والثانية والدقيقة والقرن والسنة الضوئية - وكلها قياسات "كَمية". ولكن ماذا عن القياسات "الكيفية"؟

تتعلق "القياسات الكيفية" بأشياء نلحظها وإن لم نضعها في الحسبان، وهي أشياء نراها طوال الوقت، وأحيانا تكون طريفة وغريبة ومع ذلك فهي ليست أقل أهمية من القياسات الكمية، إذ لا نستطيع بدونها إدراك خواص ومعايير معينة.

وتتراوح تلك القياسات بين درجة الفلفل الحار، وقياس صلابة الصخور والمعادن، ونسيم البحر، وما يطلق عليه "مؤشر البقرة الحبلى" (كان يستخدم في المعاملات العقارية بجنوب غربي الولايات المتحدة بقياس عدد الأبقار الحبلى التي يمكن لفدان أرض أن يحتملها).

تلك القياسات تساعدنا على وضع معايير لمتغيرات مع غياب الكم أو صعوبة قياسه. والكثير من تلك القياسات غير رسمي وبعضها خاضع للتخمين والعرف على سبيل المقارنة والتقييم.

ورغم ذلك تتضح أهمية تلك القياسات في أن بدونها يصعب مثلا إدراك درجة الألم (فالطبيب يسأل مريضه تقييم مدى ما يشعر به من وجع)،أو معرفة مدى صعوبة الظروف الجوية (على غرار مقياس بوفورت).

صدر الصورة، Alamy

التعليق على الصورة،

يحسب مؤشر "البقرة الحبلى" قيمة الأرض باعتبار عدد البقرات الحوامل التي يمكن لبقعة من الأرض أن تحتملها

تخطى البودكاست وواصل القراءة
البودكاست
تغيير بسيط (A Simple Change)

تغيير بسيط: ما علاقة سلة مشترياتك بتغير المناخ؟

الحلقات

البودكاست نهاية

وبينما يمكن الوقوف على قياسات الكم تحديدا، فإن قياسات الكيف تتأثر بتقييم الأشخاص.

فمثلا نقيس الزمن اعتبارا من نقطة معينة تفصل ما قبل عن ما بعد، فنقول قبل الميلاد أو بعد الميلاد، ونحدد وفقه تاريخا بعينه. والبوصلة تحدد الاتجاه استنادا إلى الشمال الحقيقي أو المغناطيسي، والأمر نفسه في الكيلومتر المربع ومعيار ملعقة من السكر أو ساعة دراسة، فجميعها قياسات ثابتة وسهلة.

ولكن لو تمعنا في الأمر سنرى أن كافة القياسات على اختلافها، الكيفية والكمية، ليست دقيقة تمام الدقة، بل تخضع لافتراض مبدئي لوحدة القياس. وميل البشر لتحديد الأشياء وتقييمها ومضاهاتها هو الدافع وراء السعي المستمر لوصف ما نراه حولنا من أشياء وما نجتازه من خبرات.

في عام 1805 أراد خبير المسطحات المائية الأدميرال بالبحرية البريطانية الأيرلندي فرانسيس بوفورت، إيجاد سبيل دقيق لقياس الرياح بالمحيط، ودأب يوما بعد أخر على تسجيل شدة الرياح والأمواج من مكانه بالسفينة "ووليتش"، والتي تراوحت بين الهدوء التام والرياح العاتية.

واليوم نستخدم مقياس بوفورت لتحديد حالة البحر، فعندما تكون صفر فإن صفحة الماء كالزيت في سكونها، بينما تعني الدرجة 12 أمواجا عالية متلاطمة ورياحا إعصارية وشبه انعدام للرؤية. وبين هذه وتلك تتراوح حالة البحر بين نسيم خفيف وهواء معتدل وهبوب ريح، إلخ.

وربما يكون بوفورت أول من خرج بقياس كيفي في العصر الحديث باصطلاح مقياس تدريجي دون معيار محدد للفرق بين درجة وأخرى.

وعموما يمكن تصنيف القياسات الكيفية إلى قياسات ترتيبية بسيطة، وقياسات فاصلة محددة الفروق بين درجاتها. فالزلزال بمقياس 6 ريختر يفوق هزة بمقياس 3 ريختر بثلاثة فواصل محددة والفروق بين كل درجة وأخرى متساوية وبالتالي يعد مقياس ريختر قياسا فاصلا.

صدر الصورة، Alamy

التعليق على الصورة،

يقال حاد البصر كالصقر للإعراب عن قوة الرؤية

أما تقييم المستوى على درجات بين "مبتدئ" و"متوسط" و"متقدم" فتعتمد قياسا ترتيبيا بسيطا، إذ لا يُعرف على وجه التحديد متى ينتقل المرء من الابتداء ويصبح أكثر خبرة، ومتى تنتهي حدود تقييم معين وتبدأ حدود التقييم التالي، بمعنى أن القياسات الترتيبية تعتمد اختلافا بين مستوى وآخر دون معدل اختلاف ثابت.

كذلك تقييم الرضا عن خدمة ما بـ"ممتاز" و"جيد" لا يعتمد فواصل تعني قياسيا أن "ممتاز" مثلا ثلاثة أضعاف "جيد"، ومن ثم يقول البعض إن القياسات الكيفية غير موثوقة.

وبينما يقيم القياس السليم الأشياء المادية، فإن إدراكنا للعالم المادي يختلف بشكل كبير. يقول آندرو هانسون، الباحث الرائد بالمختبر الوطني للفيزياء بالمملكة المتحدة إن "ثمة أشياء يمكن قياسها وأخرى لا يمكن قياسها. ولكن حتى ما نستطيع قياسه "نقيسه نسبيا".

يزاول هانسون أبحاثا تتعلق بعلوم القياس الدقيقة من قبيل المقاييس الحسية كاللون والضوء، وهي قياسات كمية ومع ذلك تخضع للتأويل. ولا يستطيع البشر رؤية الأشعة فوق البنفسجية ولا تحت الحمراء، ولكن حتى درجات اللون للمنشور الزجاجي تبدو مختلفة من شخص لآخر، وهذا الاختلاف ينعكس تطبيقا على الواقع.

خذ مثلا العلامات الضوئية لإشارات المرور، فرغم كونها جميعا حمراء وصفراء وخضراء، إلا أن إدراك درجة سطوعها يختلف من فرد لآخر بحيث لا تدرك العين المجردة فروقا تتعلق بالواط كوحدة قياس للقدرة الكهربية ولا يعيها الأفراد.

ويشرح هانسون قائلا: "يتعين لإقرار قياس ما بشكل ثابت أن يتفق الجميع على وحداته وفواصله". ورغم أن القياسات الكيفية ليست حسابية أو تتبعية دوما، إلا أنها تحظى بإقرار عالمي واسع.

ومن أمثلة ذلك "مقياس سكوفيل" على اسم مخترعه الصيدلي الأمريكي ويلبر سكوفيل، والذي يقيس درجة الفلفل الحار. هذا المقياس لا يقيس في الواقع كمية المادة الحارقة المعروفة بالكابسايسين في الفلفل، بل عدد المرات اللازم لتخفيف أثر تلك المادة.

صدر الصورة، Alamy

التعليق على الصورة،

تقاس درجة الحرارة بمقياس متدرج ومع ذلك يتعذر تخيل التغير بين الدرجات

الفلفل من نوع الهابانيرو يتطلب تخفيفا ما بين 3500 و8000 مرة، بينما النوع العادي جرسي الشكل لا يلزم تخفيفه بالمرة.

ولأن كل لسان يتذوق الكابسايسين بشكل مختلف عن الآخر اقترحت الرابطة الأمريكية التجارية للتوابل عام 1998 وحدة سكوفيل كقياس موحد للفلفل.

وعالميا يتنافس الفلفل من نوع "حصاد كارولينا" و"نفحة التنين" على المرتبة الأولى كأشد أنواع الفلفل حرقة، ويقدر كلاهما بثلاثة ملايين وحدة سكوفيل!

وكذلك معيار الكحول يتفاوت من حانة لأخرى، وكذلك قوة المشروب الكحولي، فالجرعة المعتادة من المشروبات الكحولية الثقيلة تختلف من بلد لآخر ومن ولاية لأخرى حسب التشريعات، أما مدى تأثير الخمور بين نوع وآخر فلم يستقر قياسه إلا مؤخرا، وحتى القرن العشرين كانت المُسْكِرات تقاس بخلطها بالبارود واختبار اشتعال المزيج.

ويستعان بالجرعة الصغيرة لقياس المُسكرات من الكحوليات عالية التركيز حيث المقدم منها أقل من الخمور الأخرى التي يتم معايرتها بالكوب الكبير الذي تناهز سعته نصف اللتر، والقياسان للكيف.

يقول لورد كيلفين، الذي اشتهر بتسمية وحدة قياسية على اسمه، إننا "حينما نعجز عن قياس الشيء بالأرقام تكون معرفتنا به ضعيفة وغير كافية".

صدر الصورة، Alamy

التعليق على الصورة،

الإنجليز يقيسون ضخامة الشيء بقاعة ألبرت هول الشهيرة في لندن

لكن حتى الأرقام أحيانا لا تعبر عن الشيء أفضل تعبير، ومن ثم يتم الاستعانة بقياسات كيفية: نقول مثلا إن هذا المجرى يتسع لمرور حافلة من طابقين به، وإن هذا المكان تدفن فيه نفايات بحجم قاعة ألبرت هول الضخمة في لندن (التي تتسع لما بين ثلاثة و3,5 مليون قدم مكعب منها).

تلك القياسات تساعدنا على استيعاب الجمال، فيقال مجازيا باللغة الإنجليزية إن المرأة جميلة كـ"هيلين" التي تجند لها الجنود على متن ألف سفينة حربية (كانت سبب حرب طروادة في اليونان القديمة)، ومقياس صلابة الياقوت "عشرة" مقياس صلابة، وهو المقياس الذي يقيس درجة مقاومة الأحجار للخدش، وهكذا تدخل المقاييس، كما وكيفيا، في كافة جوانب الحياة.

يُعرّف هانسون القياس بأنه "مقارنة مجهول بمعلوم"، وكلما كان القياس أفضل تقدمت العلوم وقل الإهدار وزادت الدقة في مجالات مثل الهندسة والصحة، وبالتالي تحسنت الحياة إجمالا. ويوما قد نستطيع أن نجد معيارا بالأرقام لمجردات كالألم والسعادة بحيث نترجم القياسات الكيفية بالكم.

أما في الوقت الراهن فالقياسات الكيفية تساعدنا في ترجمة أشياء بشكل مجازي لنقارب مثلا الضخامة بناطحة سحاب أو بالهرم، والنغمة النشاز بصوت صفير المرجل على الموقد، وأشياء أخرى بصاعقة البرق أو بهمسة في الظلام.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Future

-----------------------------------------------------

يمكنكم استلام إشعارات بأهم الموضوعات بعد تحميل أحدث نسخة من تطبيق بي بي سي عربي على هاتفكم المحمول.