كيف يسهم رعي الماشية في إنقاذ العالم في المستقبل؟

كيف يعود رعي المواشي لإنقاذ العالم في المستقبل؟ مصدر الصورة Antolín Avezuela

في مطلع كل صيف في السهول الحارة جنوبي إسبانيا، تبدأ واحدة من أطول رحلات الهجرة الموسمية لقطعان المواشي في البلاد، بحثا عن الكلأ، وتعرف هذه الرحلات باسم الانتجاع الموسمي، حيث تقطع الماشية مسافات طويلة من منطقة إلى أخرى بحثا عن الكلأ والعشب الوفير.

وبينما اعتادت الحيوانات آكلة العشب على التنقل الموسمي من مرعى لآخر بحثا عن الكلأ من قبل أن يروضها الإنسان، فإن رعاة الماشية ظلوا يحاكون هذه الغريزة الفطرية للهجرة لآلاف السنين.

وفي هذا العام، قطعت ثلاثة قطعان من الماشية قوامها 547 بقرة، 300 كيلومتر على مدى 15 يوما من جنوب إسبانيا الجاف إلى مراعي سلاسل جبال سيستيما سنترال الخضراء.

مصدر الصورة Antolín Avezuela

عادة متأصلة في المجتمع

ارتبطت أنماط الارتحال الموسمي بحثا عن الكلأ بالموروث الثقافي الإسباني، ويتوارث رعاة البقر أسرار الارتحال الموسمي من جيل إلى جيل.

ويمارس جوزيه بيدرو، البالغ من العمر 52 عاما، الارتحال الموسمي مع قطعان المواشي بين المراعي، منذ أن كان طفلا. وبدأ في تعليم أبناء إخوته دييغو، البالغ من العمر 39 عاما، وأندريه البالغ من العمر 30 عاما، أسرار هذا الإرث القديم منذ عشرين عاما. وقد انتقل هذا الصيف مع أبناء إخوته وقطعان الماشية التي يملكونها نحو الشمال إلى مراعي الجبال الخضراء، ولكن في الشتاء حين تكتسي الجبال بالجليد، سيعودون من حيث أتوا إلى السهول الجنوبية الدافئة.

مصدر الصورة Antolín Avezuela

تقطع المواشي أثناء الهجرة الموسمية مسافات طويلة يوميا، وأحيانا لا تجد في رحلتها إلا النزر اليسير من الطعام والماء. لكن سلالة البقرة الأيبيرية السوداء التي تعيش في هذه المناطق، تمتاز بقوتها وقدرتها العالية على التحمل إلى حد أن العجول من هذه السلالة بإمكانها قطع هذه المسافات الطويلة عندما تبلغ أسبوعا واحدا.

مصدر الصورة Antolín Avezuela

الماء هو كل شيء

تعتمد رحلة الهجرة الصيفية على وفرة الماء، ويخطط الرعاة لكل شيء، من مكان النوم إلى الراحة والمسافة التي سيقطعونها كل يوم مع مواشيهم، بحسب توافر مصادر المياه.

ويستهلك القطيع 15 ألف لتر من الماء يوميا في المتوسط، بالإضافة إلى ما يستهلكه الرعاة وخيولهم. وقد يقطع الرعاة وقطعان الماشية مسافات أطول في فصل الصيف يوميا، لأن معظم الجداول الصغيرة وبرك المياه تجف عند ارتفاع درجات الحرارة، ومن ثم تقل مصادر المياه وتطول المسافة بينها.

مصدر الصورة Antolín Avezuela

كلاب الرعي

كثيرا ما تضل الأبقار طريقها أثناء الهجرة، وعلى الراعي أن يكون يقظا طوال الرحلة ويواظب على عد رؤوس الماشية بانتظام حتى لا يفقد أيا منها في الطريق. ويستعين الرعاة بالكلاب للحفاظ على تماسك القطعان.

واشتهرت كلاب البولدوغ "ألانو" الإسبانية بين الرعاة الإسبانيين بشجاعتها وقدرتها على توجيه الماشية. وبمجرد تدريبها، لا تحتاج هذه الكلاب لتلقي الأوامر، بل يعاملها أصحابها باحترام، وتنام في أفضل مكان وتشارك الرعاة طعامهم.

مصدر الصورة Antolín Avezuela

طرق محمية

سهل وجود مسارات التنقل الرعوي في إسبانيا، التي تسمى "طرق القطعان" حركة الأغنام والأبقار بين المناطق المختلفة منذ قرون عدة. إذ نجح اتحاد رعاة الأغنام "ميستا"، الذي تأسس في عام 1273، في الحصول على اعتراف قانوني بهذه الطرق لحمايتها من المزارعين الذين يزرعون أراض بمحاذاة الطريق ولضمان أحقية رعاة البقر في المراعي أثناء الهجرة.

وينمو الكلأ على جانبي هذه الطرق بوفرة لضمان حصول قطعان المواشي على الغذاء الكافي أثناء الرحلة، ولهذا يبلغ عرض هذه الطرق 75.22 مترا، في أوسع جزء منها، و20.89 مترا في أضيق جزء منها.

وأصدرت الحكومة الإسبانية تشريعا في عام 1995 بشأن حماية الطرق التي تسلكها قطعان الماشية، التي يزيد طولها إجمالا على 124 ألف كيلومتر.

مصدر الصورة Antolín Avezuela

استراحة ريفية

كانت طرق قطعان الماشية محاطة حتى الستينيات من القرن الماضي بالفنادق الصغيرة ليستريح فيها رعاة البقر وحظائر لإيواء المواشي. لكن الآن لم يتبق منها إلا أطلال. إذ اختصرت خطوط السكك الحديدية منذ إنشائها في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، والشاحنات، زمن الرحلة إلى يوم واحد، بعد أن كانت تستغرق من 15 إلى 30 يوما. وأصبحت هذه الطرق مهجورة إلى حد ما.

لكن بعض العائلات من رعاة البقر، لا تزال تقطع هذه المسارات الطويلة على الأحصنة مع قطعان الماشية في غرب إسبانيا. وبدلا من الإقامة في الفنادق، يقيمون الخيام ليلا ويجمعون الحطب من أشجار البلوط لإشعال النار في المساء. وقد يقيلون تحت ظلال الأشجار عندما تشتد حرارة الشمس أثناء النهار، حتى يتمكنوا من إكمال المسير مع أبقارهم حتى غروب الشمس.

مصدر الصورة Antolín Avezuela

ثمن باهظ

على الرغم من أن استخدام وسائل النقل ساهم في تسريع عملية انتقال المواشي من مرعى لآخر، إلا أنه كلف البيئة ثمنا باهظا. إذ تسهم عملية التنقل الموسمي التقليدي للمواشي في بلد أكثر أراضيه شبه قاحلة، مثل إسبانيا، في الحفاظ على النظام البيئي. فإن هذه الأبقار تأكل البذور وتلقحها، ثم تخرجها في صورة روث توزعه على مسافة كيلومترات عدة ويساهم في زيادة التنوع الحيوي للغطاء النباتي في المنطقة.

ويحتوي طريق قطعان الماشية على سبيل المثال، على ما يصل إلي 40 نوعا مختلفا من النباتات في كل متر مربع. وقد يتضاءل هذا العدد من النباتات إذا توقفت المواشي عن الانتقال خلاله.

فضلا عن أن الرعاة قد يتركون المواشي لترعى الكلأ في الأراضي لفترة طويلة، ريثما تتحرك الشاحنة أو القطار، وهذا يؤدي إلى استنزاف الغطاء النباتي وتدهور التربة التي تصبح عرضة لحرارة الشمس والرياح والأمطار.

مصدر الصورة Antolín Avezuela

إحياء نشاط زراعي أوشك على الاندثار

رغم نزوح الكثير من الشباب من سكان المناطق الريفية في إسبانيا إلى المدن في العقود القليلة الماضية، إلا أن طرق الرعي والزراعة المستدامة التقليدية، ومنها الارتحال الموسمي للمواشي، لاقت اهتماما مؤخرا بين الشباب، مثل عائلة تورز.

إذ أسس دييغو وأندريه تورز مشروعهما الخاص لرعاية الأبقار، وتوسعا إلى تربية كلاب الرعي والخيول. وطورا أساليب الزراعة وتربية الحيوانات باستخدام التكنولوجيا الحديثة ليسهما في تشكيل حرفة الرعي لتواكب القرن الحادي والعشرين.

مصدر الصورة Antolín Avezuela

صبغة رقمية حديثة

ينشر أندريه تفاصيل رحلته الموسمية بين المراعي الخصبة على موقع فيسبوك، لتعريف الناس بالطرق التقليدية القديمة للتنقل الموسمي والترويج لمنتجات مشروعه لرعاية الأبقار، من لحوم وغيرها.

واكتسبت الهواتف المحمولة ومواقع التواصل الاجتماعي أهمية كبيرة بين رعاة الأبقار في إسبانيا لأنها تتيح لهم نشر معلومات عن نمط حياتهم وممارساتهم، وإعادة ربط مجتمع الرعاة الذي اشتهر بعزلته في المزارع بالمجتمع الحديث. كما تساعدهم تقنيات التتبع باستخدام جهاز التموضع العالمي في العثور على الأبقار التي قد تضل طريقها في الظلام.

مصدر الصورة Antolín Avezuela

رعي بقر في الإجازات

استهوت هذه الحركة بعض الشباب واتجهوا لمساعدة رعاة الأبقار الذين يحافظون على طرق الزراعة والرعي التقليدية، في أوقات فراغهم. ومن بين هؤلاء الشباب، بيدرو، البالغ من العمر 37 عاما.

ويشغل بيدرو منصب مسؤول الدعم الفني في أكبر مصانع الإطارات في إسبانيا، ودفعه شغفه بالخيول إلى المشاركة في رحلة الهجرة الموسمية مع عائلة تورز وقطعان الماشية منذ بضع سنوات، وقد أصبح جزءا لا يتجزأ من الفريق.

مصدر الصورة Antolín Avezuela

موروثات لا تتغير

لا يزال الجيل الأكبر سنا من رعاة البقر يتولى زمام القيادة في عملية التنقل الموسمي من مرعى لآخر، بتوجيه مسار الرحلة وتقديم النصح والإرشاد من واقع خبرته.

إذ يقود جوزيه أندريه تورز، البالغ من العمر 67 عاما سيارته في مقدمة القافلة، ليسد الطريق أمام السيارات عند تقاطع طرق السيارات مع طرق قطعان المواشي، ليضمن عبور القطيع بأمان. ويحفظ تورز الأب أيضا المؤن والإمدادات أثناء الرحلة ويهيء الأراضي لإقامة الخيام.

مصدر الصورة Antolín Avezuela

رابطة رعاة البقر

يتعاون جميع رعاة البقر، على اختلاف أعمارهم، معا ويتولى كل منهم مهمته الخاصة مع الاهتمام بمساعدة غيره. ومع غروب الشمس، يستقر رعاة البقر في خيامهم ويتخذون من السيارة ساترا لتفادي الدهس تحت أقدام القطيع، إذا اندفع فزعا أثناء الليل.

وقد تستمر التحديات التي يواجهها رعاة البقر والمهام الشاقة لأيام طويلة، ولهذا يتحيّن الرعاة لحظات الراحة للاستمتاع بتجاذب أطراف الحديث والضحك معا قبل أن يكملوا رحلتهم.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Travel

المزيد حول هذه القصة