ما سر رواج الويسكي الاسكتلندي عالميا؟

جهازك لا يدعم تشغيل الفيديو
الويسكي: المشروب الذي غزا 175 بلدا

كثيرا ما يبدو الويسكي الاسكتلندي، لمن لا يألفه، محاطا بسحابة من الغموض. وقد أسهمت هذه الصورة في رواج مشروب الويسكي عالميا.

يقول بلير بومان، الذي يروج لمشروب الويسكي: "اعتدت أن أكشف للناس الأساطير والخرافات حول الويسكي". ولهذا لا يطيق يومان صبرا على السماع لأفكار الآخرين القديمة والمعتادة عن طرق تناول هذا المشروب الذي يُقطّر منذ القرن الخامس عشر على الأقل.

ويقول إنه بإمكانك أن تشرب الويسكي كما يحلو لك ولا تدع أحدا يملي عليك طريقته الخاصة. ويفضل بومان أن يخلطه مع جعة الزنجبيل.

ويرى البعض أن سبب شهرة الويسكي الاسكتلندي هو أنه يحمل عبق تاريخ اسكتلندا وثقافتها وعصارة خبرة صانعي الخمور في اسكتلندا.

وقد انتعشت صادرات الويسكي الاسكتلندي إلى بعض الأسواق الأجنبية في الآونة الأخيرة. وفي عام 2018، بلغت صادرات الويسكي الاسكتلندي إجمالا 4.7 مليار جنيه استرليني، بزيادة قدرها ثمانية في المئة عن عام 2017.

وصدّرت المملكة المتحدة هذا العام أكثر من مليار زجاجة ويسكي اسكتلندي إلى الخارج. وشكلت هذه المبيعات 70 في المئة من صادرات اسكتلندا للمواد الغذائية والمشروبات، و21 في المئة من إجمالي صادرات المملكة المتحدة.

وتعكس هيمنة تجارة الويسكي على الاقتصاد الاسكتلندي أهمية التخصص في منتج معين لإتقان صناعته والبراعة فيه. إذ يركز قطاع الأغذية والمشروبات في اسكتلندا على تصنيع الخمور، لكن نكهة الويسكي نفسها تختلف باختلاف المنطقة وطريقة التصنيع ومعمل التقطير الذي ينتجها.

غير أن ظهور أسواق جديدة وتغير الأذواق يمثلان تحديا جديدا أمام صانعي الويسكي الذين يبذلون قصارى جهدهم لإرضاء أذواق الزبائن المختلفة.

ويفضل الكثيرون ويسكي الشعير المقطر في معمل تقطير واحد، نظرا لارتباطه بمكان معين، ويسهم هذا النوع من الويسكي بحصة أقل من الصادرات الاسكتلندية مقارنة بالويسكي المخلوط، لكن شعبيته تتزايد بوتيرة متسارعة. إذ زادت قيمة صادراته بنسبة تفوق 11 في المئة في عام 2018.

ويحظى الويسكي المقطر في معمل تقطير واحد بجاذبية خاصة، ويتفنن البائعون في ربط أنواع الويسكي بمعامل تقطير معينة، مثل معامل التقطير في جزيرة آيلاي، حيث تصنع أفضل أنواع الويسكي المدخن.

مصدر الصورة Lion TV, Getty Images
Image caption يعود اختلاف المذاق من نوع لآخر إلى عملية التعتيق في البراميل

ولم يكن من المستغرب أن يحاول صانعو الويسكي الاسكتلنديون الإيحاء للزبائن بأن المشروب الذي يحتسونه يرتبط بمكان معين، لأن الزبون سيرغب في شراء نفس النوع مرارا وتكرار ومن ثم تزيد المبيعات.

ويتميز الويسكي الاسكتلندي بتنوع نكهاته، ما بين المدخن المفعم بالنكهات إلى الويسكي الخفيف الممزوج بمذاق الفاكهة والأزهار. ولهذا اكتشف أصحاب معامل التقطير أن بعض الأنواع تروق لأسواق دون غيرها في الأسواق الناشئة، وهذا يساعد في زيادة الأرباح كلما زاد الإقبال عليه في أحد البلدان.

وتبنت هذه الفكرة مصانع تقطير عديدة في اسكتلندا منها "تامدو"، الذي اشتراه الملاك الحاليون عام 2012، بمحتوياته من البراميل الخشبية المملوءة بالويسكي المعتق.

ويقول ساندي ماكلنتاير، مدير المصنع، إن مصنع "تامدو" يحقق نموا مطردا، لأنه يستهدف أسواق الدول الآسيوية.

ويقع معمل "تامدو" في المنطقة المحيطة بنهر سباي، التي اشتهرت بصناعة الويسكي بالفواكه، لأن الكثير من الويسكي المقطر في هذه المنطقة يعتق في براميل نبيذ الشيري الإسباني.

إذ تُملأ البراميل في البداية بنبيذ الشيري وتترك لفترة تتراوح بين 18 شهرا وعامين. وعندما يوضع الويسكي في البراميل، يكتسب لون نبيذ الشيري ورائحته اللذين امتصهما الخشب. ويحظى الويسكي المعتق في هذه البراميل بشعبية كبيرة في آسيا. ولهذا يستهدف معمل "تامدو" هذه المنطقة للتصدير.

وحققت تامدو نجاحا كبيرا في تسويق منتجاتها في تايوان واليابان وكوريا الجنوبية.

لا شك أن اختيار نوع الويسكي المناسب الذي يرضي ذائقة الزبائن في كل سوق على حدة يمثل أهمية كبيرة لزيادة مبيعات معامل التقطير الاسكتلندية.

وتقول راشيل باري، مسؤولة خلط الخمور بمعمل تقطير "بينرياخ" ولديها خبرة 30 عاما في تقطير الخمور، إن أنواع الويسكي الثلاثة التي تساعد في إنتاجها تناسب توقعات ثلاث أسواق مختلفة. إذ يناسب النوع المدخن الزبائن في شمالي أوروبا، في حين أن نوع "غليندروناخ" المُحلى، يناسب زبائن تايوان، أما النوع الأخير "غلينغلاسو" حلو المذاق فقد لاقى رواجا كبيرا في أستراليا.

وعن أسباب اختلاف المذاق من نوع لآخر، تقول باري إن هذا يعود إلى عملية التعتيق في البراميل. إذ تتحلل بعض المواد الموجودة في الخشب، مثل الليغنين والسليولوز، عندما يتفاعل البرميل مع الويسكي، وتتسبب في إطلاق بعض المركبات التي تضفي رائحة ومذاقا على الويسكي.

ويضفي مركب إيثيل أوكتانوات، على سبيل المثال، مذاق شجرة التفاح على الويسكي، وهذا المركب تطلقه الدهون الموجودة في الشعير عندما تتحلل أثناء عملية التعتيق. ويوجد هذا المركب في البراميل الموجودة في منطقة نهر سباي دون غيرها، لكننا لا نعلم السبب بعد.

وربما يكون هذا بسبب الميكروبات الموجودة في المنطقة والتي تتفاعل مع المواد الكيمياوية في البراميل أو الكحول الموجود بداخلها، لكن أيا كان السبب فهذا المذاق هو سبب تميز الويسكي في هذه المنطقة.

ويستورد معمل تقطير "تامدو" براميل الويسكي من إسبانيا، إذ ينقل خشب البلوط من الشمال إلى مدينة شريش جنوبا، حيث تُصنع البراميل وتعالج بنبيذ الشيري.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption صدّرت المملكة المتحدة هذا العام أكثر من مليار زجاجة ويسكي اسكتلندي إلى الخارج

ثمة دول أخرى لها تاريخ طويل في تقطير الخمور، مثل أيرلندا والولايات المتحدة واليابان، وانضمت إليها حديثا دول أخرى، مثل الدنمارك وويلز وإنجلترا. لكن الويسكي الاسكتلندي ينفرد عن غيره، ليس فقط بسبب سمعته لكن أيضا بسبب الضوابط القانونية التي تحكم عمليات إنتاجه.

إذ وضعت المملكة المتحدة في عام 2009 قانونا لحماية إنتاج الويسكي، وينص القانون في إحدى مواده على أنه "لا يجوز لأي شخص في اسكتلندا تصنيع أي نوع من أنواع الويسكي غير الويسكي الاسكتلندي". وعرّف القانون الويسكي الاسكتلندي بأنه النوع المعتق بالكامل في اسكتلندا ويحتوي على نسبة 40 في المئة على الأقل من الكحول.

ويقول غرايم ليتلجون، من جمعية الويسكي الاسكتلندي، إن نحو 97 في المئة من مكونات الويسكي الاسكتلندي، من الماء والشعير ومعدات التقطير، مصدرها المملكة المتحدة. وتفخر الجمعية بأن الويسكي الاسكتلندي أكبر مساهم في الميزان التجاري بالمملكة المتحدة، لأنها تجني مليارات الجنيهات الإسترلينية من تصديره ولا تنفق إلا نحو مئتي مليون جنيه استرليني على الواردات اللازمة لإنتاجه.

وتستورد معامل التقطير الاسكتلندية البراميل التي تعتق فيها الويسكي من الخارج. وتقول راشيل باري إن معامل التقطير التي تديرها لديها مجموعة متنوعة من البراميل من مختلف أنحاء العالم، سواء المعالجة بالنبيذ من فرنسا أو جنوب أفريقيا، أو المعالجة بويسكي البوربون من الولايات المتحدة أو نبيذ مارسالا من صقلية أو نبيذ شيري من إسبانيا.

لذلك، يعتمد هذا المنتج الاسكتلندي على السوق العالمية، لا لتحقيق مبيعات عالمية فحسب، ولكن أيضا للحصول على البراميل المنكهة بمذاق مشروبات عالمية لتكسبه المذاق المميز.

وعندما يستضيف بلير بومان جلسات لتذوق الويسكي في مختلف أنحاء العالم، فإنه يساعد الحاضرين على استكشاف المذاق من خلال تخيل معالم اسكتلندا. ويقول إن الصينيين تحديدا يهتمون بالاستماع إلى تاريخ وإرث صناعة كل نوع من أنواع الويسكي.

وتحتضن الصين أكبر سوق للخمور في العالم، وتعد سوقا شاسعة للويسكي الاسكتلندي. ولهذا يحاول صانعو الخمور في اسكتلندا اختراق السوق الصيني لتحسين مستقبل صناعة الخمور في المملكة المتحدة.

ويرى بومان أن الويسكي الاسكتلندي يشهد رواجا في الفترة الحالية، لكنه يخشي من الكساد الذي يعقب فترات الرواج، كما حدث من قبل في الثمانينيات من القرن الماضي. ويقول إن هذه هي طبيعة أي تجارة أن تشهد رواجا وكسادا. لكن انخفاض مبيعات هذا المنتج، الذي يمثل أهمية كبيرة لاسكتلندا، قد يؤثر على الكثير من العمال الذين سيفقدون مورد رزقهم، وستطال آثاره مناطق أخرى مثل شريش جنوب إسبانيا، حيث تسهم مبيعات براميل الويسكي بنصيب كبير في الاقتصاد المحلي.

ويرى بومان أن تطور الويسكي الاسكتلندي يقتضي التخلي عن الصورة العتيقة والأفكار التقليدية عن طرق شرب المنتج لأنها قد تنفر الأشخاص غير المعتادين على ثقافة الويسكي. ويقول إن سر رواج مشروب الويسكي الاسكتلندي يكمن في ارتباطه بمكان معين وبمنتجين داخل اسكتلندا، وفي المذاق الفريد الذي يميزه عن غيره.

وإذا استطاع أصحاب معامل التقطير تحقيق التوازن بين الحفاظ على إرث الويسكي القديم وبين تلبية الطلب المتزايد عليه من الدول التي لم تعتد شربه من قبل، لن يجنوا أرباحا مالية فحسب، لكنهم سيضمنون أيضا بقاء هذا المشروب الاسكتلندي لعقود أو قرون مقبلة.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Future

المزيد حول هذه القصة