فيروس كورونا: لماذا تأخرت بعض الحكومات في إدراك الأزمة؟

  • مايكل مارشال
  • بي بي سي
شخص يلبس كمامة

صدر الصورة، Getty Images

سُجلت أولى الإصابات المؤكدة بفيروس كورونا المستجد في المملكة المتحدة، في نهاية يناير/كانون الثاني، حين كان الفيروس يواصل انتشاره في بلدان العالم. لكن رئيس الوزراء البريطاني، بوريس جونسون، اكتفى بنصيحة المواطنين، في منتصف مارس/آذار الماضي، بتجنب السفر غير الضروري ومخالطة الآخرين، ولم يفرض الإغلاق العام إلا في الثالث والعشرين من الشهر نفسه.

وأثار تأخر المملكة المتحدة في الاستجابة للجائحة انتقادات واسعة من خبراء الصحة العامة.

ولم يختلف الأمر كثيرا في الولايات المتحدة؛ إذ استخف الرئيس، دونالد ترامب، أكثر من مرة بخطورة المرض. وواجهت الولايات المتحدة نقصا حادا في أدوات الفحص للمشتبه في إصابتهم بالفيروس.

فكيف أخفقت دولتان من أكثر دول العالم تقدما، رغم ما تمتلكانه من خبرات وأجهزة تكنولوجية متطورة، في التعرف على بوادر الأزمة؟

قد يرجع ذلك إلى دوافع نفسية تحمل البعض على التغاضي عن العلامات المنذرة بقرب وقوع الكوارث رغم أنهم يرونها بأم أعينهم.

وفي عام 1980، نشر عالم النفس، نيل وينستاين، أول دراسة عن "التحيز للتفاؤل"، وخلص فيها إلى أن الناس بطبيعتهم ينزعون للتفاؤل غير المبرر حول أفاق المستقبل.

وطلب وينستاين من 200 طالب أن يقيّموا فرص وقوع أحداث مختلفة في حياتهم، سواء كانت إيجابية، مثل امتلاك منزل أو إنجاب طفل موهوب، أو سلبية مثل الإصابة بالسرطان أو الطلاق.

صدر الصورة، Getty Images

التعليق على الصورة،

كان تطبيق إجراءات إغلاق المتاجر والحجر الصحي في المدن الكبرى سريعا وصارما، ربما لأن بعض الحكومات تأخرت في الاستجابة للأزمة

تخطى البودكاست وواصل القراءة
البودكاست
تغيير بسيط (A Simple Change)

تغيير بسيط: ما علاقة سلة مشترياتك بتغير المناخ؟

الحلقات

البودكاست نهاية

ولاحظ وينستاين أن معظم الطلاب كانت توقعاتهم أعلى من المتوسط، إذ ذكروا أنهم أقل عرضة، على سبيل المثال، للإصابة بالسرطان وأنهم من المرجح أن يمتلكوا منازلهم الخاصة.

وتقول تالي شاروت، من كلية لندن الجامعية، إن جذور هذا التحيز تعود إلى الطريقة التي نكتسب بها المعلومات. وشاركت شاروت في دراسة عام 2011، خلصت إلى أن الناس يغيرون معتقداتهم استجابةً للمعلومات التي تحمل توقعات أفضل أسرع مما يغيرونها استجابة لتلك التي تحمل الأسوأ من التوقعات.

ولهذا يتباطأ الناس في تغيير معتقداتهم حول فيروس كورونا المستجد إذا كانت أسوأ من توقعاتهم. فإذا ذكر الخبراء أن الحجر الصحي سيستمر لمدة أطول مما توقعنا، سيقول الناس "إن الأمور قد تتغير" أو "لا أصدق ذلك"، ومن هنا تنشأ المعتقدات المتحيزة.

وثمة أدلة تثبت أن الكثيرين لم يراعوا التدابير الاحترازية، مثل التباعد الاجتماعي، بسبب تحيزاتهم المسبقة. إذ أجرى بنيامين كوبر سميث، من مركز هامبروغ إبندورف الطبي الجامعي، استطلاعا للرأي شمل متطوعين من المملكة المتحدة والولايات المتحدة وألمانيا، وخلص الاستطلاع إلى أن المتطوعين كانوا يعتقدون أنهم أقل عرضة من غيرهم للإصابة بالفيروس، واستبعدوا أن ينقلوا العدوى للآخرين في حال إصابتهم بها.

صدر الصورة، Getty Images

التعليق على الصورة،

قد يفسر البعض تفادي الكوارث على أنه نجاح، فإذا كانت طائرتان على وشك الاصطدام ببعضهما قد لا ننتبه إلى أننا كنا قاب قوسين أو أدنى من الكارثة

وتشير روبين ديلون ميريل، بجامعة جورج تاون بواشنطن، إلى نوع آخر من أنواع التحيز، وهو تقييم القرارات بناء على النتيجة وليس العوامل التي أدت إليها. ويطلق على هذا النوع "التحيز للنتيجة".

وتضرب ميريل مثالا بطائرتين كادتا أن تصطدما ببعضهما، وتقول إن رد الفعل المعقول في هذه الحالة، أن تحاول تلافي الأسباب التي كادت أن تؤدي إلى وقوع حادثة مروعة. لكن في الغالب، ستجد الناس يتباهون بقدراتهم ومهاراتهم الاستثنائية التي جعلتهم يتفادون الحادث الوشيك. إن النجاح في تلافي الكارثة جعلنا نغض الطرف عن المشاكل التي كادت أن تتسبب في كارثة.

ووُصف هذا النوع من التحيز، للمرة الأولى، في بحث أجراه الباحثان، جوناثان بارون، وجون هيرشي، في عام 1988، وطلبا من مجموعة من المتطوعين تقييم قرارات غير مضمونة العواقب، كما هو الحال في المراهنات. ولاحظ الباحثان أن تقييم المتطوعين كان يختلف بحسب النتيجة، فإذا كانت النتيجة إيجابية كان المتطوعون يشيدون بمهارة متخذ القرار في التفكير والتخطيط.

وقد تكشف أزمة فيروس كورونا الراهنة أن الحكومات والمؤسسات لم تتعلم من الدروس السابقة؛ إذ أودى فيروس كورونا المسبب لمتلازمة الالتهاب التنفسي الحاد (سارس) في عام 2003 بحياة 774 شخصا، على الأقل، وكاد أن يتفشى لولا احتواؤه في الوقت المناسب.

صدر الصورة، Getty Images

التعليق على الصورة،

سرعان ما أدركت الحكومات مخاطر تفشي فيروس كورونا المسبب لمتلازمة الالتهاب التنفسي الحاد في عام 2003 وبادرت إلى احتوائه

وقد يدفع أيضا شكل آخر من أشكال التحيز، وهو "التحيز التأكيدي"، الناس إلى إنكار الحقيقة رغم كثرة الأدلة الماثلة أمامهم. وهذا النوع من التحيز يتجلى في نزوع الناس إلى البحث عن الأدلة التي تؤيد وجهة نظرهم فقط ويتغافلون أو يغفلون عن كل ما يعارضها.

وتضرب ديلون ميريل مثالا على ذلك بمقال قرأته في صحيفة لوس أنجليس تايمز، عن امرأة أقامت حفل عيد ميلادها السبعين في نادي الغولف الوطني، الذي يمتلكه الرئيس ترامب، جنوبي كاليفورنيا، الشهر الماضي، ولم يكد يمر أسبوع حتى اكتُشف أن أحد الحاضرين كان مصابا بفيروس كورونا، وسرعان ما ثبتت إيجابية تحاليل الكثير من الحاضرين.

ورغم أن هؤلاء الضيوف نُصحوا بعدم حضور الحفل لو كانوا مرضى، إلا أن ديلون ميريل تقول إن الجميع يبررون موقفهم بحسب وجهة نظرهم، ولن يعجزوا عن إيجاد الأدلة التي تؤيد موقفهم. فقد يقول أحدهم "ما دمت سليما وأعتقد أن جميع المدعوين لا يعانون من أية أعراض، فلم لا نقيم الحفل؟"، مع أن الكثيرين ينقلون العدوى دون أن تظهر عليهم أعراض.

وتكشف هذه القصة عن وجه آخر من أوجه الخلل في تقييم المواقف عندما نكون في حالة من عدم التيقن، وهو أننا نسترشد بتصرفات وقرارات الآخرين، مع أن جيراننا قد يكونون مخطئين. وتقول ديلون ميريل، إن المعلومات عندما تكون غير واضحة، أو تتغير من وقت لآخر أو ملتبسة، قد يبحث الناس عن أدلة من سلوكيات الآخرين، ويتصرفون وفقا لأعراف المجتمع.

وقد يفسر ذلك تهافت الناس على شراء أصناف غير ضرورية من المتاجر، مثل قوارير المياه، لا لشيء إلا لأنهم رأوا الآخرين يخزنون كميات كبيرة منها.

أما على مستوى الحكومات والمؤسسات الكبرى، فيتجلى هذا النوع من الانسياق وراء آراء الآخرين في مفهوم التفكير الجماعي، عندما يجتمع مجموعة من صناع القرار ثم يتوقفون فجأة عن مناقشة الخيارات ويقبلون الخطة التي يجمع عليها الحاضرون دون نقد أو اعتراض.

صدر الصورة، Getty Images

التعليق على الصورة،

تعد أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962 مثالا على "التفكير الجماعي" حين أُجبر مستشارو الرئيس كينيدي على التفكير في خطط بديلة دون توجيه من القيادة العليا

ووصف عالم النفس، إيرفين جانيس، مطلع السبعينيات من القرن الماضي، للمرة الأولى، التفكير الجماعي في كتابه "ضحايا التفكير الجماعي". ودرس جانيس القرارات التي قادت إلى فشل غزو خليج الخنازير في كوبا عام 1961. ولاحظ أن مستشاري كينيدي أحجموا عن معارضته أو مخالفة رأي الجماعة.

في حين أنه في أزمة الصواريخ الكوبية، عقد المستشارون الكثير من الاجتماعات في غياب الرئيس كينيدي للخروج بأفكار بديلة، وتقييم الإيجابيات والسلبيات. وتقول ميريل إن أبسط طريقة لتفادي التفكير الجماعي هي تنظيم عملية اتخاذ القرار.

وهذا يقودنا إلى مفهوم آخر صاغه ماتس ألفيسون، من جامعة لاند في السويد، وأندريه سبايسر، من جامعة سيتي بلندن، وهو "الغباء الوظيفي"، عندما تعيّن المؤسسات موظفين أذكياء وموهوبين، ثم تضع هياكل تنظيمية وعمليات صنع قرار تثبط الموظفين عن إبداء الانتقادات وتمنعهم من تقديم مقترحات لتحسين القرارات.

لكن في المقابل، ليس من المستحيل التغلب على هذه التحيزات، مثل التحيز للتفاؤل؛ إذ لاحظت شاروت أن التعرض للضغوط النفسية يشجعنا على تغيير معتقداتنا تحسبا للأحداث التي نكره حدوثها.

وتقول ميريل إن وضع أنظمة وإجراءات في المؤسسات للتعرف على المشاكل التي قد تقود إلى الفشل، يساعد في التغلب على التحيزات التي تجعلنا نفسر تفادي الكوارث على أنه نجاح.

وتقول كاثلين ساتكليف، من جامعة جونز هوبكنز في ولاية ميريلاند، إن الأزمات لا تأتي من فراغ، بل هي محصلة مشاكل تطرأ طوال الوقت، ومن الممكن التنبؤ بها ووضع أنظمة لمواجهتها.

صدر الصورة، Getty Images

التعليق على الصورة،

عندما نرى الناس يتهافتون على شراء سلعة ما، مثل قوارير المياه، قد نجد أنفسنا مدفوعين للتصرف مثلهم

ووضعت ساتكليف عددا من السمات التي تتصف بها المؤسسات الأكثر استعدادا لمواجهة المشاكل، والتي نادرا ما تواجه كوارث. أولا، التركيز على الإخفاق. وتفسر ساتكليف ذلك بالقول إن هذه الشركات تضع أهدافا محددة، لكنها أيضا تركز طاقاتها على دراسة المشاكل التي قد تشغلها عن تحقيق أهدافها أو تقود إلى الإخفاق.

وتشجع المؤسسات الأكثر استعدادا لمواجهة الكوارث موظفيها على تطوير فهم أعمق للمواقف لاستباق المشاكل قبل وقوعها وتفادي الاستخفاف بها. وتنفق هذه المؤسسات جلّ وقتها في التركيز على الوضع الآني، وتضع خططاً تساعدها على الصمود في وجه الكوارث، وتخصص الوقت والتحفيز الكافيين لموظفيها للتعاون على حل المشكلات.

وأخيرا تضع هذه المؤسسات هياكل مرنة لصنع القرار، تتيح لجميع الموظفين من أدنى السلم الإداري إلى أعلاه، المشاركة في صنع القرار بحسب طبيعة الأزمة.

وقد يجدر بالحكومات أن تطبق بعض نصائح ساتكليف حتى لا تباغتها الأزمة القادمة على حين غفلة.