فيروس كورونا: الفوائد النفسية لرحلة العمل اليومية التي نفتقدها في ظل الحظر والإغلاق

  • داميان فاولر
  • صحفي
صورة فوقية لعدد من الطرق

صدر الصورة، Getty Images

كانت ميغ لاوني، شأن كثيرين غيرها في نيويورك، تواجه رحلة شاقة إلى العمل. كانت تستغرق أكثر من ساعة للوصول من بيتها في أستوريا بمنطقة كوينز إلى عملها بشركة استشارية في وول ستريت. وللوصول إلى العمل كان عليها أن تصطحب صغيرتها في حافلة لتتركها في الحضانة قبل أن تركب قطارا مكتظا للأنفاق إلى المنطقة التجارية في مانهاتن، ومن محطة القطار تسير ربع ساعة مسرعة إلى المكتب.

تقول لاوني إن الوصول إلى العمل لم يكن بالأمر الممتع، بل كان "فظيعا".

كان هذا قبل أن يغير كوفيد-19 الوضع تماما، والآن وبعد عدة أسابيع من العمل من البيت تعترف لاوني إنها باتت تفتقد تلك الرحلة. تقول: "يؤسفني أن أقول ذلك، ولكنها الحقيقة، فالعمل من البيت، بالنسبة لمن كان أفضل حالا منا ولم يفقد عمله بالمرة، أضاف مزيدا من التوتر. يلزم باستمرار متابعة العمل، العمل خلال العشاء، والعمل بعد العشاء، والعمل بعد أن تضع الأطفال في الفراش. لا سبيل للفصل بين العمل والبيت، وكانت الرحلة تحقق هذا الفصل المعنوي بين الاثنين".

وقد يبدو للوهلة الأولى أن شعور لاوني غريب، فقد وجدت دراسات عدة أن الناس يعتبرون رحلة العمل من أبغض الأمور، ومنها دراسة أجرتها شركة فورد للسيارات كشفت أن الرحلة إلى العمل تصيب بالتوتر أكثر من العمل نفسه (وأكثر من زيارة طبيب الأسنان). كما يخشى الذين يلزمهم حتى الآن الذهاب للعمل تلك الرحلة اليومية وما تحمله من مخاطر على صحتهم. ولكن بالنسبة لمن يمكثون في البيت، هل بدأنا ندرك أن تلك الرحلة قبل العمل وبعده ربما كانت فعلا مفيدة؟

فاصل نفسي

يقول جون جكيمويتس الأستاذ المساعد بوحدة السلوك التنظيمي بكلية هارفارد للأعمال: "لم يعد بالإمكان فصل البيت عن العمل، وهو أمر متعب". تفحص دراسة جديدة شارك جكيمويتس فيها الوظيفة التي تؤديها رحلة العمل كفاصل نفسي بين البيت والعمل.

تشير الدراسة إلى أن الرحلة اليومية توفر فرصة للتأهب لتغيير الأدوار، ويقول القائمون عليها: "يمكّن ذلك الموظف ذهنيا من تحويل انتباهه من خبرة الحاضر - عبر أفكار تخص الرحلة، أو أفكار لا تتعلق بالدور السابق أو الدور الآتي - وما يتعلق بالخبرة المتوقعة حين الوصول للعمل ومهام اليوم المطلوبة".

صدر الصورة، Getty Images

التعليق على الصورة،

تتيح الرحلة للعمل للموظف فرصة التأهب لتغيير دوره والاستعداد لمهام العمل

بمعنى آخر تعمل الرحلة كمرحلة انتقالية، ويقول جكيمويتس: "لن يكون سهلا الانتقال من دور لآخر حين يدخل الشخص حيز العمل وهو مازال في دوره المنزلي، وعادة ما تتنازعه الهوية المتعلقة بالبيت من ناحية وتلك المتصلة بالعمل". وحين يحدث هذا قد تؤدي مطالب أحد الحيزين "لاستنزاف الموارد الذهنية (من وقت وطاقة ومزاج) وتقليص الإنجاز في الحيز الآخر".

استقى جكيمويتس وزملاؤه هذه النتائج من ثلاث دراسات ميدانية شملت أسئلة لموظفين عن طول رحلة العمل ودرجة شعورهم بالرضا الوظيفي وما إذا كانوا قد فكروا في العمل خلال الرحلة. وجدت النتائج أن الموظفين الذين أتيحت لهم فرصة التأهب للدور الجديد كان شعورهم بالرضا الوظيفي أكبر وكذلك إنتاجهم في العمل.

الملل يحل المشكلات

يتيح هذا أكثر من مجرد التفكير قبل بدء العمل، فربما أتاحت رحلة العمل أفقا أعمق للإبداع، حتى مع زحام الحافلة والقطار.

يبلغ متوسط رحلة العمل اليومية حول العالم بالنسبة للرجال والنساء 38 دقيقة ذهابا ومثلها عند العودة. يضاف هذا الوقت إلى غيره من الأوقات "البينية" التي تتيح فرصة للقراءة أو الاستماع لشيء أو لعب "كاندي كرش" أو "سكرابل" على الإنترنت. وتشير مانوش زمورودي مؤلفة "ملل مدهش: فرصة للسرحان للإنتاج والإبداع" إلى أن الملل قد يحمل فائدة كبيرة.

أشارت زمورودي إلى بحث قام به علماء أعصاب أظهر أن الملل قد ينشط شبكة مخية ترتبط بأن يسرح المرء بخياله ما قد يؤدي لأفكار جديدة ويحل مشكلات صعبة. وتقول: "تعطيك رحلة العمل وقتا للتفكير في أشياء مثل: 'ما كان علي أن أقول ما قلت في الاجتماع! يمكنني في اجتماع الغد أن أقول كذا وكذا' وبالتالي يعالج المخ ما وقع فعلا من أحداث ويسعى للوصول لنتيجة أفضل".

صدر الصورة، Getty Images

التعليق على الصورة،

دون فاصل بين العمل والبيت قد تستهلك مطالب أحد الحيزين الموارد الذهنية وتقلص منجزات الحيز الآخر

وكثيرا ما يفيد التأمل وإعادة التفكير خلال رحلة العودة بعد انتهاء العمل. يسرح الذهن في المستقبل للتخطيط للمساء كإعداد وجبة جيدة من بواقي الطعام أو إضافة الخضر بشكل ما لطعام الصغار لفائدتهم! تقول زمورودي "هكذا يسرح الذهن أثناء الملل. أعتقد أن لهذا الوقت بين شيء وآخر أهمية خاصة".

أمور مدهشة تفوتنا

تخطى البودكاست وواصل القراءة
البودكاست
تغيير بسيط (A Simple Change)

تغيير بسيط: ما علاقة سلة مشترياتك بتغير المناخ؟

الحلقات

البودكاست نهاية

كذلك يستفيد من يمضون هذا الوقت في قيادة سيارتهم، فقبل انتشار الفيروس وتوقف السفر كانت جنيفر ويترت تنتقل من بيتها قرب إحدى البحيرات في كالاباساس بكاليفورنيا إلى عملها غربي لوس أنجليس حيث تعمل كإخصائية نفس إكلينيكية، وكانت تمضي في الرحلة 75 دقيقة في الذهاب ومثلها في العودة. لم تكن الرحلة سهلة، خاصة مع بعض الزحام.

ومع ذلك تفتقد ويترت الآن الراحة التي كانت تجدها في سيارتها في الصباح حيث كانت تتناول بعض الطعام وتسمع كتابا مقروءا أو موسيقى. وكانت خاصية بلوتوث بالسيارة تتيح لها القيام بالمكالمات والاستماع للرسائل ما ساعدها في إدارة وقتها بشكل أفضل. ولكن مع توقف الرحلة وجدت ويترت أنها تفتقد تلك المساحة التي وفرت لها قدرا من التحكم.

ورغم ذلك وجدت ويترت حلولا عملية توائم واقع عملها الآن من البيت، فهي تحاول الالتزام بجدول معين ومتابعة مرضاها؛ ويساعدها في هذا بعض الطقوس اليومية مثل تحديد أهداف لليوم قبل بدء العمل ومكافأة نفسها لاحقا بالانتهاء في الموعد، وتقييم نفسها استنادا إلى سبيل تحليل السلوك التطبيقي.

وبالنسبة إلى لاوني التي تعيش في نيويورك، حرمها غياب الرحلة اليومية من شيء لم تنتبه له من قبل، فقد منحتها محاولتها الإبحار وسط الأمواج البشرية في المدينة الصاخبة ساعة الذروة، على مدار عقد كامل، شعورا بالثقة والقوة. وتقول: "لا يستطيع شخص العيش في هذه المدينة طوال 15 عاما دون أن يكون أهلا لها وقادرا على تنحية المعوقات التي يصادفها خلال التنقل. ولكن فجأة تختفي تلك الجزئية، هذا الجزء منك الذي يستيقظ كل صباح ليكافح عبر الجموع ويواجه المشاق".

صدر الصورة، Getty Images

التعليق على الصورة،

تنمي الرحلة اليومية لدى البعض شعورا بالصلابة والإنجاز لا يمنحه البقاء في البيت

وبحسب علم النفس يعتمد هذا الشعور بالثقة والقوة على القدرة على التكيف الإيجابي بمواجهة الصعاب ويمثل نوعا من المرونة. وتقر لاوني بأن فقد هذا الشعور فجأة لم يكن مريحا بالمرة "إذ كان جزءا مستمرا ويوميا من كياننا ومن قدرتنا على التصرف، وقد اختفى الآن".

بديل عن الرحلة

وفي غياب الرحلة للعمل بدأ البعض مثل ويترت إيجاد وسائل بديلة عبر الوعي بالأهداف، والتذكير عبر إشارات معينة. يجد جكيمويتس فائدة في ارتداء ملابس العمل قبل بدء العمل من البيت وتغييرها بعد الانتهاء. ومؤخرا تحدثت نيويورك تايمز عن عودة ما يعرف بـ"ساعة الشراب" بوصفها "طقسا يستعاض به عن غيره مما فقدناه في حياتنا".

تقول زمورودي: "أعتقد أننا بدأنا نبحث عن عادات، بعضها أنفع من بعضها الآخر، نستعيض بها عن رحلة العمل المفقودة".

ولكن ربما كان الطقس الأبرز الذي بدأ ينتشر في نيويورك هو التصفيق ليلا للإشادة بجهود العمال الأساسيين، حين يطل الناس من النوافذ والشرفات للتصفيق بأنحاء المدينة كنوع من التعبير عما يجول بداخلهم وإيذانا بأن وقت المساء والراحة قد بدأ.

يمكنك الاطلاع على القصة الأصلية أو على BBC Work life