كيف أسقط المحتجون ألمانيا الشرقية بلا انترنت أو هواتف محمولة؟

سيغبرت شيفكي أمام برج الكنيسة الذي صور الاحتجاجات من فوقه مصدر الصورة Getty Images
Image caption سيغبرت شيفكي صور الاحتجاجات من فوق برج الكنيسة الإصلاحية في لايبزيغ، وسلم الشريط لمراسل صحيفة شبيغل

لم يعرف العالم مواقع التواصل الاجتماعي أو الهواتف المحمولة عام 1989، وهي الوسائل المستخدمة في العصر الحالي لحشد المحتجين.

لكن سكان ألمانيا الشرقية كانوا ضجوا من الشيوعية، وخرجوا إلى شوارع مدينة لايبزيغ، ثاني أكبر مدن ألمانيا الشرقية، على الرغم من القيود الصارمة المفروضة على الحريات الشخصية هناك.

وتقول كاترين هاتينهاور، أحد منظمي المظاهرات التي عرفت بمظاهرات يوم الاثنين في لايبزيغ آنذاك: "لم يكن لدينا هاتف في المنزل. كان ممنوعا. وكانوا يتصنتون على المكالمة في كل الأحوال".

لكن نقطة التحول كانت عند خروج مسيرة بالشموع، شارك فيها 70 ألف شخص، تدفقوا إلى قلب المدينة، وأتتهم الجرأة لأول مرة للسير نحو مقر جهاز الأمن السري المعروف باسم "شتاسي"، وهم يهتفون "نحن الشعب".

ووقف حوالي ستة آلاف شرطي في ملابس رسمية ومدنية، يراقبون المسيرة من الشوارع الجانبية، لكنهم تراجعوا، غالبا بسبب تفوق المتظاهرين عليهم عدديا.

وأذن ذلك بانكسار قبضة الإعلام الشيوعي على سلوك الشعب. لكن سقوط جدار برلين بعد شهر من هذه المظاهرة أثار دهشة سكان ألمانيا الشرقية والغربية على حد سواء.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption منظمو مهرجان لايبزيغ اعتُقلوا في العاشر من يونيو/حزيران 1989 بعد خروج المحتجين

ما الذي أجج المظاهرة؟

انتشر الغضب والحنق في ألمانيا الشرقية، التي كانت تُعرف بجمهورية ألمانيا الديمقراطية. لكن وتيرة الغضب تصاعدت عام 1989.

وكان الملايين في ألمانيا الشرقية يتابعون قنوات التليفزيون في ألمانيا الغربية سرا، كونها ممنوعة وغير قانونية. ورأوا الحياة المرفهة في الجانب الغربي الرأسمالي، والبضائع الكثيرة المتوفرة. لكن فرصهم في الذهاب إليها كانت محدودة. وفي المقابل، كانت الحياة في الجانب الشيوعي قاسية، وتعاني من التقشف والعجز المستمر.

وتعرض المعارضون للمراقبة، ولاحقتهم قوات "شتاسي"، التي اعتادت على تحديد خيارات الناس في التعليم والعمل.

وكان الزعيم الشيوعي البالغ من العمر 77 عاما آنذاك، إريش هونيكر، يقاوم التغيير، في حين كانت بولندا والمجر في الجوار تمران بفترة تحول ديمقراطي.

وكان الاتحاد السوفيتي الذي هو بمثابة الراعي أو الأخ الأكبر للنظام في ألمانيا الشرقية يمر بتحولات بقيادة الإصلاحي ميخائيل غورباتشوف وسياسة "الغلاسنوست" (الشفافية) التي اتبعها وشجعها الغرب، وقد سمح للمواطنين السوفييت المعارضين بمواجهة جرائم الشيوعيين التي ظلت مخفية لوقت طويل.

وبات نداء "غوربي غوربي" شعارا شائعا بين المتظاهرين في ألمانيا الشرقية المتعطشين إلى إصلاحات تشبه التي قدمها غورباتشوف.

وفي صيف عام 1989، أزالت المجر السلك الشائك الذي يفصل حدودها عن النمسا، فأصبحت طريقا يهرب سكان ألمانيا الشرقية من خلاله إلى الجانب الغربي. وكانت المجر وجهة الشرقيين في العطلات، إذ كان النظام يفرض قيودا على السفر إلى الخارج.

وتدفق الشرقيون عبر هذا الطريق، حتى أن الآلاف طلبوا اللجوء في سفارة ألمانيا الغربية في تشيكوسلوفاكيا، وتفرق شمل الكثير من العائلات في ألمانيا الشرقية.

وفي الذكرى الأربعين لتأسيس جمهورية ألمانيا الديمقراطية، زار غورباتشوف برلين الشرقية في السابع من أكتوبر/تشرين الأول، وطالب هونيكر بالشروع في الإصلاحات السياسية "لأن الحياة تعاقب المتأخرين".

لكن جمهورية ألمانيا الديمقراطية كانت تقول إنها حررت "الشعب" من استغلالية الرأسمالية، وإن الشيوعية تجلب الأمن الوظيفي، والإسكان الرخيص، والرفاهية الجماعية.

مصدر الصورة Alamy
Image caption تجمع أمام كنيسة القديس نيكولاس لإحياء الذكرى الثلاثين لمظاهرات التاسع من أكتوبر/تشرين الأول 1989

ما أهمية لايبزيغ في سقوط ألمانيا الشرقية؟

على مدار سنوات، قاد القس كريستوف فونبيرغير "صلوات السلام" كل يوم اثنين في كنيسة القديس نيكولاس، التي أصبحت ملاذا للمعارضين السياسيين.

وكانت ثمانينيات القرن العشرين هي فترة الاحتجاج ضد وجود الأسلحة النووية في أوروبا. وكان أغلب الاحتجاجات ضد وجود الصواريخ الأمريكية في غرب أوروبا، لكن هونيكر سمح ببعض المعارضة لوجود الصواريخ السوفيتية في جمهورية ألمانيا الديمقراطية.

وعُرفت كنيسة القديس نيكولاس في لايبزيغ بأنها مكان للحرية. وتقول هاتينهاور، التي كانت في العشرين آنذاك: "كنا على علم بمراقبة شتاسي للكنيسة. لكن لم يقدروا على منع أنشطتنا لأنها كانت تحمل اسم "صلوات السلام" وليست احتجاجات".

وأضافت في حوارها مع بي بي سي أن المجموعة "ازدادت صمودا. وساعدنا في مهمتنا صيف الرحيل. وانضم إلينا الكثير من اليائسين، الذين فقدوا أفراد أسرهم. وكانوا يبحثون عن مكان يستطيعون فيه مشاركة قصصهم، والوصول إلى قرار حول الطريقة التي يجب أن تستمر بها الحياة".

مصدر الصورة Getty Images
Image caption مظاهرات الاثنين طالبت بالحريات السياسية، من بينها حرية التجمع وحرية الصحافة

وكان المعرض الدولي في لايبزيغ في الرابع من سبتمبر/أيلول فرصة نادرة للمعارضي الشيوعية، إذ سُمح للصحفيين من الجانب الغربي بالدخول إلى المدينة.

وغيرت هاتينهاور ورفاقها من المعارضين خطتهم لهذا اليوم، "وكنا بحاجة لقيادة الناس خارج الكنيسة، ليكتمل المشهد، وتكتسب الحركة وجها جديدا".

وحمل المحتجون لافتات كُتب عليها "حرية التجمع"، و"لأجل بلد مفتوح وشعب حر". وسرعان ما تدخلت قوات شتاسي ومزقت اللافتات، بيد الشيء المهم هنا كان تمكن تليفزيون ألمانيا الغربية من تسجيل لحظات عنف الدولة ضد المحتجين.

وتابعت هاتينهاور: "عندما شاهد سكان ألمانيا الشرقية هذه اللقطات، أدركوا الكذب الذي روجته الحكومة عنا، فنحن لا نبدو مجرمين مناهضين للثورة".

وقال المعارض السابق أوفي شفابي لـ بي بي سي إن "الناس كانوا قد ضجوا من الحكومة الشرقية. يعيشون بشكل مستمر في الدعاية والكذب. حتى أن مدينة لايبزيغ كانت في حالة تلوث شديد. الهواء كان ملوثا لدرجة أنه رائحته عطنة".

وكان شفابي من الداعين للاهتمام بالبيئة في جمهورية ألمانيا الديمقراطية. وكانت السبب الأساسي لمشكلة التلوث في لايبزيغ هو مناجم الفحم البني القريبة منها.

لم كان التاسع من أكتوبر/تشرين الأول نقطة تحول؟

بحلول أكتوبر/تشرين الأول 1989، أصبحت مجموعات المعارضة كثيرة ومتنوعة، وتقول المعارضة السابقة كاترين ماهلر فالتر إن القس فونبيرغر كان المنسق الأساسي.

ويقول شفابي إن "الكثيرين قرروا أنهم لن يكونوا صحفيين أو محامين أحرار في ألمانيا الشرقية، فاتجهوا لدراسة اللاهوت ليتحرروا من قيود الدولة. وكان بينهم الكثير من المعارضين".

وأضاف أن القساوسة الناشطين كانوا أقلية في كنيسة لايبزيغ البروتستانتية، لا يزيد عددهم على ستة من خمسين. كما أن الكنيسة الكاثوليكية قمعت النشطاء.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption الحكومة في ألمانيا الشرقية اعتبرت من رحلوا إلى الجانب الغربي مجرمين

سقوط ألمانيا الشرقية عام 1989

أغسطس/آب-سبتمبر/أيلول: الآلاف من سكان ألمانيا الشرقية يعبرون إلى الجانب الغربي عن طريق النمسا وتشيكوسلوفاكيا

9 أكتوبر/تشرين الأول: مجموعات غير مسبوقة من المتظاهرين، بلغ عددهم 70 ألف متظاهر، يخروج إلى شوارع لايبزيغ يطالبون بالحريات.

18 أكتوبر/تشرين الأول: القائد الشيوعي إريش هونيكر يتنحى، ويحل محله إيغون كرينز.

7 نوفمبر/تشرين الثاني: استقالة الحكومة والمكتب السياسي.

9 نوفمبر/تشرين الثاني: سقوط جدار برلين.

3 أكتوبر/تشرين الأول 1990: وحدة ألمانيا.

كوّن القس فونبيرغر والسيدة فالتر شبكة من النشطاء في لايبزيغ، الأمر الذي ساعد على اكتساب مظاهرات التاسع من أكتوبر/تشرين الأول للزخم الذي حظيت به.

وقالت فالتر: "الدعاية التي قدمتها مظاهرات يوم الإثنين عجلت من الحراك. وأدرك الجميع أنه ثمة تغيير حقيقي يحدث هنا".

وخشي الكثيرون أن تفتح الشرطة النار على المحتجين، خاصة أن واقعة ميدان تيانانمان في الصين كانت في وقت قريب. وكان إيغون كرينز، أحد كبار المسؤولين في المكتب السياسي، قد أثنى على تصرف الحكومة الصينية.

لذا، هتفت الجماهير في لايبزيغ "لا للعنف"، وطلب النشطاء من المتظاهرين تجنب إعطاء أي فرصة للشرطة لتفتح النار عليهم.

ويقول شفابي: "الشوارع امتلأت بالناس من كل الأعمار. لكن الكثير من كبار السن حاولوا منع أولادهم من الخروج".

وتبين لاحقا أن السلطات أمرت مستشفيات لايبزيغ بإعداد المزيد من الأسرة وإمدادات الدم.

وفي هذه الليلة، اتصلت السيدة فالتر بالقس فونبيرغر من مخبأها في الكنيسة البروتستانتية الإصلاحية، ونقلت له أخبار المظاهرة.

وكان يقيم في كنيسة أخرى، يتلقى مكالمات من نشطاء آخرين. ثم أجرى حوارا تليفونيا على الهواء مع إحدى قنوات الأخبار في ألمانيا الغربية.

وقالت فالتر: "تمكننا من مخاطبة الشعب في ألمانيا الشرقية عن طريق محطة تليفزيونية غربية".

مصدر الصورة Rex Features
Image caption كاترين فالتر حصلت على نوط شرفي فيدرالي هذا الشهر

وكان الناشطان أرام رادومسكي وسيغبيرت شيفكي يملكان كاميرا تليفزيونية، لكنهما بحاجة لمكان آمن لتصوير المظاهرات. وتواصلت فالتر مع قس الكنيسة الإصلاحية، الذي سمح لهما بالصعود إلى برج الكنيسة والتصوير.

وقال شيفكي لـ بي بي سي: "لم أجرؤ على التصوير في الشارع. والتقيت بمراسل صحيفة شبيغل (من ألمانيا الغربية)، أولغيش شوارز، في الفندق، وأعطيته التسجيل، الذي حمله معه إلى ألمانيا الغربية في الليلة نفسها".

وعُرضت المظاهرة التي خرج فيها 70 ألف شخص على شاشات التليفزيون في ألمانيا الغربية في اليوم التالي.

وأصبح من الصعب كبح جماح الحركة الاحتجاجية، فبعد أسبوع خرج أكثر من مئة ألف متظاهر إلى وسط لايبزيغ، وانتشرت الاحتجاجات سريعا في باقي ألمانيا الشرقية.

ويقول شفيكي: "أنا في الستين الآن. وكنت أعيش خلف الأسلاك الشائكة، لكنني نعمت بالعيش في الحرية الآن أكثر من فترة القيد. لقد احتُجرت خلف الأسوار نحو ثلاثين عاما".

المزيد حول هذه القصة