روسيا وأوكرانيا: كيف احتجّ بقّال في قرية روسية على فلاديمير بوتين؟

  • ستيف رونبرغ
  • بي بي سي - موسكو
دميتري يكتب بالطلاء على واجهة دُكانه

إلى الشمال من العاصمة الروسية موسكو، وعلى مسافة ثماني ساعات من القيادة بالسيارة، ثمة قرية صغيرة نائية تدعى روسكو-فيسوتسكوي.

وليس في هذه القرية مَعلما مهمًا أو أثرًا عظيما يستحق عناء السفر خصيصًا لرؤيته. على أن بها مع ذلك مزرعة للدواجن وكنيسة كانت الحرب العالمية الثانية قد هدّمت أركانها.

لكنْ مهلاً، هناك في هذه القرية شيء يسترعي النظر - إنه محل البقالة. وهو مِلك لديميتري سكوريخين.

على واجهة المحل، كتب ديميتري بحروف كبيرة عبارة "السلام لأوكرانيا والحرية لروسيا". وعلى الواجهة نفسها، وباستخدام طلاء أحمر ساطع، كتب أسماء مدن أوكرانية هاجمها الجيش الروسي.

(ماريوبول، بوشا، خيرسون، تشيرنيهيف، والبقية تأتي .....).

ويشرح ديميتري لبي بي سي سبب كتابته تلك قائلا: "أعتقد أنها طريقة جيدة لإخبار الناس بما يجري؛ ففي الأسابيع الأولى من الحرب لم يكن الناس هنا يعلمون حقيقة ما يحدث. وقد كانوا يظنون أن عملية عسكرية خاصة تتم للإطاحة بمدمني المخدرات من الحكومة الأوكرانية. لم يكونوا يعلمون أن روسيا تقصف مدنا أوكرانية".

وقد طلى ديميتري سقف دُكانه بلَونَي عَلم أوكرانيا - الأصفر والأزرق. وها هو فجأة، يُخرج عُلبة طلاء، وفرشاة ويضيف أسماء أخرى: (بوروديانكا، أوديسا، إربين، ....).

ومن الكتابة تتساقط قطرات من الطلاء الأحمر القاني على الحائط كما لو كانت دماء، مما يزيد البيان قوة في تأثيره.

ولا يجهل ديميتري أن عمله هذا ينطوي على مخاطر، ففي روسيا عادة ما ينتهي الأمر بالمظاهرات إلى التحقيق مع القائمين بها أو تهديدهم - أو كليهما معا.

وبالفعل، كتب أحدهم على باب ديميتري كلمة "خائن" بأحرف كبيرة. كما أن عناصر من الشرطة أخذت تعتاد على زيارته. وقد تمّ تغريمه مؤخرا بعد اتهامه بتشويه سُمعة القوات المسلحة الروسية.

لكن هذا لم يجعل ديميتري يتراجع.

ويقول لبي بي سي: "لا يمكنني أن أظل هكذا دون أن أحرّك ساكنا. إن ذلك يمزقني من الداخل. على أنّ ما أفعله يدل على حال من اليأس. الروس الآن منبوذون. ونحن نستحق ذلك. سنلبس ثوب هذا العدوان زمنا طويلا".

ويحلو للكرملين تصوير أن الرئيس فلاديمير بوتين قائدٌ يدعمه شعبُه. وتصرّ السلطات على أن الروس يدعمونه في حربه على أوكرانيا. أما ديميتري فيرى أن هذا كله محض خداع.

وفي ذلك يقول ديميتري لبي بي سي: "اسألوا الناس هنا عمّا إذا كانوا يؤيدون حربا بين روسيا وأوكرانيا - حربًا تُقصف فيها المدن، وينزل الفقر والجوع بأهلها، فسيقولون لكم: 'هل جُننتم؟'".

ويضيف ديميتري: "الروس يتعرضون للتضليل. هم يؤيدون عملية عسكرية خاصة قيل لهم عنها عبر التلفاز. لكنهم بدأوا يدركون أن ما يحدث بالفعل هو نكبة".

وفي الخارج، أمام دُكان ديميتري، سألنا العابرين عن رأيهم في كتابات ديميتري على واجهة دُكانه وعما تحمله من مضمون احتجاجيّ؟.

وقال أحد هؤلاء لبي بي سي: "إنه أحمق. مجرد أحمق! وإلا فكيف يغطّي الحائط بهذه الفوضى؟ كان أولى به أن يرسم لوحة على الجدار".

وقال شخص آخر، وكان معلم ديميتري في المدرسة ويبلغ من العمر 87 عاما: "لا أحد يريد الحرب. ما زلت أتذكر الحرب العالمية الثانية. لكنه شيء جيد للغاية أن نعبّر عن رفضنا للحرب. لكن ربما كانت حكومتنا تعرف أكثر منّا".

وقال شاب يُدعى أنطون لبي بي سي: "إن له الحق في التعبير عن رأيه. وأنا أيضا قلق بشأن أوكرانيا؛ لأن مهاجمة وقصف جيراننا هي أفعال غريبة علينا".

ويعلم ديميتري سكوريخين جيدا أن هذه الطلاءات على واجهة دُكانه لن تجلب السلام، لكنها ربما جعلت الناس في القرية يقفون ويفكرون وربما يتساءلون. عندئذ يكون ما فعله ديميتري جديرا بالاحترام بحسب اعتقاده.