يوميات مبعوثنا الى واشنطن

  • محمود القصاص
  • بي بي سي - واشنطن

السبت 16 يناير: الطريق الى واشنطن ليس سهلا!

بدأت الاجراءات الامنية الخاصة لدخول الولايات المتحدة من المطار الذي سافرت منه في لندن، فعند مراجعة اوراقي على شاشة كمبيوتر الخطوط الجوية التي سافرت عليها، وجدت قائمة بالدول التي لابد من اجراء مراجعة امنية اضافية لركابها، واغلبها دول عربية مثل السودان وسورية ولبنان والسعودية.

وعلى الرغم من ان مصر التي انتمي اليها ليست من الدول التي تتضمنها هذه القائمة، فقد طلبت مني موظفة الشركة الانتظار قليلا حتى تتأكد من بعض البيانات.

وعندما سألت عن السبب قالت ان هناك تشابها في الاسماء بيني وبين بعض مواطني دول اخرى. وبعد اجراء مكالمة تليفونية ومراجعة بعض البيانات قالت لي الموظفة ان كل شيء على مايرام.

التعليق على الصورة،

البيت الابيض بواشنطن

وتكررت المراجعة الاضافية قبل ان ادخل الطائرة مباشرة، اذ سألني احد رجال الامن بعد ان قرأ اسمي عما اذا كنت ازور مصر بانتظام، وعما اذا كنت مرتبطا باي جهات او مؤسسات في مصر.

اما في مطار دالاس في واشنطن فقد وجدت صفوفا طويلة من المسافرين امام رجال الشرطة المسؤولين عن مراجعة جوازات السفر.

وعندما جاء دوري طلب مني ضابط الشرطة النظر الى كاميرا لتقوم بتصويري. ثم طلب مني وضع اصابعي اليمنى ثم اليسرى على جهاز لأخذ البصمات. وبعدها تفحص جواز سفري بعناية وسألني: لماذا جئت الى الولايات المتحدة، وكم ستقضي من الوقت بها، ومن يتحمل نفقات رحلتك. كما سألني عما اذا كنت ازور مصر بانتظام، وعن أي جهات في مصر لي علاقة بها.

اجبت على كافة اسئلته، وخرجت من المطار لاشاهد واشنطن للمرة الاولى.

واشنطن مدينة صغيرة وهادئة، واغلب من يعملون بها يسكنون في ضواحي محيطة بها في فرجينيا او ميريلاند. لكن هذه المدينة الصغيرة تحتضن البيت الابيض ومبنى الكابيتول الذي يضم مجلسي النواب والشيوخ، وهي مركز صناعة قرارات تؤثر على العالم اجمع.

منذ نحو عام استطاع باراك اوباما، ذو الاصول الافريقية، ان يصل لقمة السلطة فيها للمرة الاولى في تاريخها، ووعد بتغيير الكثير من السياسات المستقرة بها، فما هو مدى نجاحه في تحقيق ما وعد به؟ هذا ما يشغل الكثير من السياسيين والصحفيين في العاصمة الامريكية.

الاحد 17 يناير: اوباما، واحلام العرب في امريكا

التقيت مع مجموعة من الشباب العربي الذين يقيمون في الولايات المتحدة، وايدوا بحماس باراك اوباما، وصوت من يحمل منهم الجنسية الامريكية له في الانتخابات الاخيرة.

محمد عيد احد هؤلاء الشباب، وكان حاضرا في جامعة القاهرة وقت ان وجه اوباما خطابه الشهير الى العالم الاسلامي. وقد تلقى الدعوة لحضور الخطاب من قبل السفارة الامريكية في القاهرة باعتباره احد الناشطين في مجال حقوق الانسان.

كان عيد يطمح في ان يقوم اوباما بجهود كبيرة لنشر الديمقراطية في الشرق الاوسط، وكان يرى، هو وغيره من المعنيين بحقوق الانسان، انه اذا كان جورج بوش قد مارس بعض الضغوط لنشر الديمقراطية، فان هذه الضغوط ستتصاعد مع وصول اوباما للبيت الابيض.

غير ان ما كان يحلم به عيد وغيره من الشباب لم يتحقق، بل على العكس فوجئ بان الضغوط لنشر الديمقراطية تراجعت. والسبب كما يرى هي تحذيرات المحيطين باوباما من ان الضغط على الانظمة العربية لتحقيق المزيد من الانفتاح السياسي ربما يفتح المجال امام تيارات متشددة تعادي واشنطن.

التعليق على الصورة،

اوباما قال اننا لسنا في حرب مع المسلمين او الاسلام

تخطى البودكاست وواصل القراءة
البودكاست
تغيير بسيط (A Simple Change)

تغيير بسيط: ما علاقة سلة مشترياتك بتغير المناخ؟

الحلقات

البودكاست نهاية

جلال السمديسي، الذي يحمل الجنسية الامريكية ومن اصل مصري، كان ايضا في القاهرة وقت ان القى اوباما خطابه، ولاحظ حالة التفاؤل الشديدة التي سادت بين الناس في مصر تجاه اوباما بسبب جذوره الافريقية والاسلامية، ولغة الخطاب التي اعجبت الناس، بحيث اصبحوا ينظرون اليه وكأنه مخلص من السماء جاء للقضاء على مشكلات العرب والمسلمين!

ولم يتوقع جلال الكثير من التغيير على الرغم من انه عضو بالحزب الديمقراطي ومن مؤيدي اوباما، والسبب كما قال هو انه يعرف طبيعة الحياة السياسية في الولايات المتحدة، ويعرف ان هناك انقساما داخل الحزب الديمقراطي، كما ان هناك معارضة شديدة من قبل الحزب الجمهوري لسياسات اوباما تجعل تحقيقها امرا صعبا.

غير ان رامي يعقوب، الذي ولد في الولايات المتحدة ويدرس ماجستير في السياسة الخارجية باحدى جامعاتها، يرى ان اوباما يحاول قدر طاقته تحسين صورة الولايات المتحدة، وانه افضل اختيار ممكن لمقعد الرئاسة في الوقت الحالي.

لكن المشكلة، كما يقول، ان العرب توقعوا منه ما ليس ممكنا، ونسوا ان هناك مؤسسات كثيرة في الولايات المتحدة تشارك في صنع القرارات، ولهذا كان احباط الكثيرين من سياساته.

الاثنين 18 يناير - معركة حول التأمين الصحي في الولايات المتحدة

من ابرز الموضوعات المطروحة للنقاش في الولايات المتحدة في الوقت الراهن مشروع التأمين الصحي الذي يسعى باراك اوباما لتنفيذه، والذي كان احد اهم وعوده الانتخابية.

هناك نحو اربعين مليون امريكي على الاقل بلا تأمين صحي، ويعانون كثيرا للحصول على العلاج الضروري، وتتزايد هذه المعاناة بالنسبة لكبار السن الذين هم في حاجة لرعاية صحية اضافية، هذا في الوقت الذي تخوض فيه واشنطن حروبا في العراق وافغانستان بلغت تكلفتها ارقاما فلكية تكفي للقضاء على هذه المشكلة.

وعد اوباما ناخبيه بان يوفر لهم خدمة التأمين الصحي التي حاول قبله بيل كلينتون توفيرها لكنه لم ينجح.

التعليق على الصورة،

يُعد المشروع، في حال إقراره، أكبر تغيير يشهده قطاع الرعاية الصحية خلال العقود الماضية

وبالفعل بذل اوباما، ومعه قيادات الحزب الديمقراطي، جهودا هائلة للتغلب على المعارضة الشرسة لهذا المشروع من قبل الجمهوريين. اما سبب معارضة الجمهوريين فهو التكلفة الهائلة للمشروع، والتي ستؤدي الى تزايد العجز الكبير في الموازنة الامريكية ليبلغ نحو 12 تريليون دولار في عام 2015. هذا بالاضافة الى رفضهم فكرة تدخل الدولة لتوفير خدمات العلاج، ويرون انه ينبغي تقديم حوافز مالية لشركات التأمين الصحي في اطار اقتصاديات السوق.

اذن الخلاف حول مشروع التأمين الصحي يحمل بين طياته خلافا حول الطريق الذي يجب ان تسير فيه الولايات المتحدة، والسياسات الاقتصادية والاجتماعية التي يجب ان تنتهجها.

التقيت باحد العرب الامريكيين المتحمسين لمشروع التأمين الصحي، وهو عمر خالدية، وهو من اصل لبناني، ويرى ان اوباما يتعرض لهجوم شرس لانه يسعى لقدر اكبر من العدالة الاجتماعية، ووصل الحال ببعض الجمهوريين المتشددين الى وصفه بانه اشتراكي، بل حتى "ماركسي"، وهو وصف عنيف للغاية في الولايات المتحدة.

معاذ الصوفي، هو امريكي من اصل يمني، متحمس ايضا لمشروع التأمين الصحي، ويرى انه سيغير الولايات المتحدة للافضل. فهل سينجح اوباما في نهاية المطاف في ان يحقق احد اكبر وعوده؟

الثلاثاء 19 يناير - فقراء امريكا، والازمة الاقتصادية

قد لا يعرف البعض ان هناك ملايين الفقراء في الولايات المتحدة، وانهم لا يحصلون على مساعدات وخدمات من الدولة مثل التي يحصل عليها اصحاب الدخول المنخفضة في اوروبا، ولهذا فان معاناتهم شديدة بسبب الازمة الاقتصادية.

الفقير في الولايات المتحدة، حسب تقدير كثير من مراكز الدراسات الاقتصادية، هو من يقل دخله السنوي عن 15 ألف دولار، وهو مبلغ زهيد للغاية بالنسبة لمستوى الاسعار في الولايات المتحدة، ويكفي بالكاد للاستمرار على قيد الحياة.

التعليق على الصورة،

اسرة أمريكية مشردة تعيش في شوارع نيويورك

وتكفي جولة سريعة في احد الاحياء الفقيرة في جنوب غرب واشنطن لتعرف مدى قسوة الحياة بها، فهناك كثيرون يعيشون في العراء بلا مأوى، وهناك الكثير من المساكن الضيقة الفقيرة المكتظة بالسكان، هذا بخلاف حي راق في واشنطن مثل حي الشمال الغربي الذي تشاهد به مساكن راقية، ومطاعم فخمة.

ادت الازمة الاقتصادية الى ارتفاع كبير في مستوى البطالة حتى تجاوز نسبة 10% من القوى العاملة، وفشل باراك اوباما في خفض نسبة البطالة على الرغم من نجاحه في السيطرة على الازمة الاقتصادية من خلال برامج تحفيز الاقتصاد.

بوب بيترسون، احد العاملين في مكتب البي بي سي في واشنطن، قال لي انه يضحك كثيرا عندما يسمع البعض في دول اخرى يتحدثون عن اميركا وكأنها ناد للاغنياء، ولا يصدقه البعض عندما يحدثهم عن مشكلات الفقراء الامريكيين! ويبتسم وهو يقول ان الحلم الامريكي هو مجرد وهم بالنسبة لكثيرين.

لقد صوت اغلب هؤلاء الفقراء لاوباما املا في ان يصبح حالهم افضل في طل ادارته. لكن الازمة الاقتصادية قاسية، وستسغرق وقتا طويلا للخروج من دائرتها، ولهذا فان احلام هؤلاء الفقراء في حياة افضل لن تتحقق بسرعة.

الاربعاء 20 يناير: خسارة مقعد كنيدي تربك الديمقراطيين