السعي الباكستاني للعب دور جديد في افغانستان

افغانستان
Image caption تزامن اعتقال الملا برادر مع الهجوم الغربي الافغاني الواسع في منطقة مرجه باقليم هلمند

دخلت الحرب المدمرة في افغانستان مرحلة جديدة، وقد اشارت باكستان بما لا يدع مجالا للشك الى انها تريد - وتتمكن - من اداء دور قيادي في هذه المرحلة.

وقد جاء اعتقال الملا عبدالغني برادر، ثاني ابرز زعماء حركة طالبان، في وقت حرج جدا إذ تبرز الآن فكرة التفاوض مع طالبان كاستراتيجية تسير بدا بيد مع الهجوم العسكري الواسع الذي تشنه قوات التحالف الغربي على معاقل الحركة جنوبي افغانستان.

يقول الكاتب الباكستاني محمد رشيد، الذي كتب باستفاضة عن العلاقات الحميمة التي تربط جهاز الاستخبارات العسكرية الباكستانية بحركة طالبان: "لقد تغيرت وجهة نظر باكستان. فباكستان تصر الآن على الهيمنة على اي شكل من الحوار الذي قد يحصل (مع طالبان)."

خيبة

يعتقد الكثيرون في باكستان ان الملا برادر، الذي اعتقلته عناصر باكستانية وامريكية في كراتشي، اصبح يتصرف بقدر من الاستقلالية اكثر مما ينبغي.

وتقول مصادر في العاصمة الافغانية كابول إن برادر ومندوبين عنه منخرطون في مفاوضات سرية مع الرئيس الافغاني حامد كرزاي في كابول ومع ممثليه في الجنوب الافغاني وخارج البلاد.

وقال لي مسؤول افغاني بارز لم يشأ الكشف عن هويته: "قد يكون هذا الامر (اعتقال برادر) جيدا لاستهلاك الرأي العام، ولكن قد تكون له جوانب سلبية بالنسبة لنا. فقد كان من الاسهل لنا التحدث معه وهو حر طليق."

اكد ذلك مصدر غربي كان من المشاركين في المفاوضات مع برادر، وعبر عن خيبته من ان هذه القناة قد كشفت وتوقفت.

وقد اعلن عقب الاعلان عن اعتقال الملا برادر عن القاء القبض على اثنين من مرؤوسيه وهما الملا عبدالسلام والملا محمد.

وكانت تقارير وردت من قندهار في الشهر الماضي قد اشارت الى ان الملا برادر يوشك ان يلقى عليه القبض بسبب التوتر المتزايد الذي كان يشوب علاقتهبزعيم حركة طالبان الملا عمر.

يذكر ان برادر والملا عمر كانا قريبين جدا من بعضهما في الماضي، وكان الملا عمر قد عين برادر نائبا له عقب الاطاحة بنظام حكم طالبان عام 2001.

وقد اصبح الملا برادر لاحقا القائد العسكري الاعلى لحركة طالبان نظرا للصعوبة التي كان يواجهها الملا عمر في العمل علنا.

وقال المقدم توني شيفر، الذي عمل ضابط استخبارات في افغانستان عام 2003 ويعمل الآن في مركز الدراسات الدفاعية المتقدمة بواشنطن، "لقد تمكنت باكستان من تحقيق هدفين. فقد برهنوا لنا نحن الغربيين بأنهم راغبون في التعاون معنا، وفي نفس الوقت اعتقلوا شخصا خرج عن سيطرتهم."

وكانت باكستان تنفي باستمرار ان يكون قادة طالبان يقيمون فيها، وتصر على ان هؤلاء يتنقلون باستمرار جيئة وذهابا بين باكستان وافغانستان.

كسب مهم

وما لبثت ادارة الرئيس اوباما - على عكس ادارة بوش - تحث باكستان في السر والعلن على التحرك ضد قيادة حركة طالبان ومعاقلها في المناطق القبلية الوعرة والمدن ككويتا وكراتشي.

يذكر ان الحكومة الباكستانية، التي بدأت في عام 2001 بملاحقة عناصر تنظيم القاعدة وطالبان باكستان، قد اوضحت باستمرار انها ليست في وارد ملاحقة عناصر طالبان افغانستان وقياداتها.

فاسلام آباد تعتبر علاقتها الوطيدة مع طالبان عنصرا مهما يضمن لها الكثير من النفوذ في افغانستان المجاورة.

ولكن بما ان الحكومة الافغانية وحلفاءها الغربيين جعلوا من محاولة ضم مقاتلي طالبان والتصالح مع زعمائهم اولوية قصوى، تريد باكستان ان تلعب دورا في جلب طالبان الى طاولة المفاوضات.

وقد اكد رئيس اركان الجيش الباكستاني الجنرال اشفق كياني هذا التوجه في مؤتمر صحفي عقده في وقت سابق من الشهر الجاري قال فيه إن بلاده "فتحت كل ابواب" التعاون مع حلف شمال الاطلسي والقوات الافغانية في افغانستان.

الا ان الجنرال كياني اكد ايضا على ان "الاولويات الاستراتيجية لباكستان لابد ان تتحقق."

بالنسبة لباكستان، تتمثل هذه الاولويات بايجاد افغانستان صديقة تكون جزءا من مجال نفوذها - افغانستان لا تلعب فيها الهند دورا مهما.

ويبدو ان واشنطن قد اقتنعت بقيام باكستان بدور الوسيط في افغانستان بين الحكومة وحركة طالبان.

فقد قال المبعوث الامريكي لباكستان وافغانستان ريتشارد هولبروك لبي بي سي في كابول: "بامكان الاستخبارات العسكرية الباكستانية الاضطلاع بدور في المفاوضات وانا اؤيد ذلك. فباكستان تتمتع بنفوذ في هذه المنطقة ولديها مصالح امنية مشروعة."

من جانبه، تحدث المدير السابق للاستخبارات العسكرية الباكستانية الجنرال المتقاعد حميد جول - بصراحته المعهودة - عن العلاقة التي تربط بلاده بافغانستان بالقول: "امريكا هي الماضي وكرزاي ايضا، اما طالبان فهي المستقبل."

واضاف جول بأنه لن يكون من الحكمة لباكستان ان "تقطع كل علاقاتها وتقوض صداقتها مع زعماء افغانستان المستقبل."

ولكن هذا الدور الباكستاني المتعاظم ينظر اليه بقلق في كابول، فقد انتقد الرئيس كرزاي وكبار مسؤوليه مرارا دور الاستخبارات العسكرية الباكستانية في ايواء زعماء حركة طالبان.

"مبالغة"

فقد اكد الرئيس كرزاي على ان تكون اية عملية مصالحة تحت قيادة وسيطرة افغانية.

ولم تعلق كابول بعد على نبأ اعتقال الملا برادر.

وكانت كابول قد اطلقت قبل بضعة سنوات مفاوضات مع زعيم آخر من زعماء حركة طالبان الملا منصور دادالله، الذي كان بدوره قد اختلف مع الملا عمر.

الا ان الباكستانيين القوا القبض عليه في عام 2008، مما اثار غضب المسؤولين الامنيين الافغان.

تقول الكاتبة الهولندية بيتي دام، التي نشرت مؤخرا كتابا عن الرئيس كرزاي، إن الرئيس الافغاني يجري منذ عدة سنوات مفاوضات مع الملا برادر الذي ينتمي الى نفس قبيلة بوبلزاي التي ينتمي اليها كرزاي.

ويقال إن الملا برادر هو الذي انقذ كرزاي عندما كان محاصرا من قبل مقاتلي طالبان في اقليم اوروزجان بعد هجمات سبتمبر 2001.

وتقول دام إنها علمت اثناء زيارتها الاخيرة الى العاصمة الافغانية في شهر ديسمبر/كانون الاول المنصرم بأن الملا برادر كان قد زار كابول في العام الماضي.

كما يقول سكان اقليم اوروزجان مسقط رأس الملا برادر إنه "اصبح قويا ومستقلا جدا ضمن حركة طالبان، حيث اسس لجان ومؤسسات تأتمر بأمره."

السؤال المهم هو مدى تأثير اعتقاله على المفاوضات المستقبلية مع حركة طالبان، ودور باكستان في هذه المفاوضات.

ضربة قوية

تثني واشنطن على تعاون اسلام آباد مع الولايات المتحدة في منطقة جنوب آسيا.

فبالنسبة للامريكيين، يأتي النجاح الاخير في القاء القبض على الملا برادر بعد اسابيع قليلة من اكبر اخفاق استخباري يمنون به لعقود عندما قتل سبعة من عناصر استخباراتهم في تفجير نفذه عميل مزدوج في معسكر باقليم خوست الشرقي.

ولكن ما زالت تفاصيل عملية اعتقال برادر غير معروفة. وتقول تقارير صدرت مؤخرا إنه ربما كان برادر قد اعتقل قبل الموعد الذي ذكرته صحيفة نيويورك تايمز التي اوردت النبأ لاول مرة.

كما لم يتأكد بعد مدى الدور الذي لعبته المخابرات المركزية الامريكية في عملية اعتقال برادر، وما اذا كان الامريكيون يستطيعون ان يحققوا معه خاصة وانه يعتبر مستودعا مهما للمعلومات المهمة عن حركة طالبان بما في ذلك علاقتها بالاستخبارات العسكرية الباكستانية.

ويقول مصدر غربي في كابول إن الامريكيين يبالغون في وصف مدى التعاون القائم بينهم وبين باكستان.

اما المقدم شيفر فيقول إن ما سيحدث لاحقا مهم جدا، ويضيف "علينا مراقبة ما سيستجد مراقبة دقيقة."