العلاقات التركية الأمريكية و "إبادة" الأرمن

متظاهرون أتراك ضد القرار الأمريكي
Image caption ما أثار حفيظة الأتراك هو استخدام اللجنة لكلمة الإبادة في توصيف ما حدث عام 1915

انتقلت مشاعر المرارة التي تفرق الأرمن المسيحيين والأتراك المسلمين واستمرت لقرون إلى جبهات عديدة لكن يبدو غريبا أن تجد لها آذانا صاغية الآن في أروقة بعض لجان مجلس النواب الأمريكي.

لكن لا شك أن النقاشات التي شهدتها لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب في واشنطن وما تمخض عنها من قرارات أضحت أهم حلبة في سياق نزاع قديم بين الشعبين.

وما أثار حفيظة الأتراك هو استخدام اللجنة لكلمة الإبادة في توصيف ما حدث للأرمن لكن السؤال المطروح هو ما إذا كان من حق الولايات المتحدة استخدام الكلمة لتوصيف موت مئات الآلاف من الأرمن الذين لقوا حتوفهم عندما بدأت الإمبراطورية العثمانية في التفكك جراء الضغوط الناجمة عن الحرب العالمية الأولى عام 1915.

ويرى الأتراك أن فداحة الاتهام الموجه إليهم لا يخفف من وطأته مرور سنوات طويلة على ما حل بالأرمن. إن المسألة في نظر الأتراك تمس بكبريائهم الوطني الجياش، ومن ثم فإن التهمة الموجهة إليهم توشك أن تضع الأمة التركية في الجانب الخطأ من التاريخ.

لكن بالنسبة إلى الأرمن، فإن الأمر يتعلق بحقائق تاريخية وهي الاعتراف بالمعاناة التي تعرضوا لها لأن هذا الاعتراف يمثل خطوة مهمة على طريق تأسيس هوية وطنية في نظر العالم.

أما إدارة الرئيس الأمريكي، باراك أوباما، فتنظر إلى الأمر على أنه كابوس يذكر البيت الأبيض بأن الديموقراطية التي يحظى بها الكونجرس يمكن أن تتعارض مع حقائق السياسة الخارجية الأمريكية.

وبذلت منظمات أرمينية في الولايات المتحدة جهودا حثيثة لا تعرف الكلل من أجل إبقاء قضية الإبادة حية في أروقة واشنطن علما بأن قوى الضغط الأرمينية في واشنطن يُنظر إليها على أنها من أكثر القوى تأثيرا ونفوذا.

قوى الضغط الأرمني أثبت اللوبي الأرميني نجاعة كبيرة في جمع بيانات دعم وتأييد لقضيته

وتأثير قوى الضغط الأرميني يأخذ عدة أشكال. أولا هناك دوائر انتخابية يشكل الأمريكيون من أصول أرمينية جزءا مهما من أعضائها. ومن ثم، فإن ممثلي هذه المناطق يتماهون بوضوح مع هذه القضية. ثانيا، يمتلك اللوبي الأرميني قدرة على حشد الدعم لقضيته من ممثلي الطوائف والأعراق الأخرى.

لقد أثبت اللوبي الأرميني نجاعة كبيرة في جمع بيانات دعم وتأييد صادرة عن سياسيين يسعون للحصول على مناصب عامة إذ يعلنون تماهيهم مع وجهة النظر الأرمينية.

إن هذا العمل الدؤوب الذي لا يكل يشكل جزءا مهما من طبيعة النسيج السياسي الأمريكي إذ يتيح مع الوقت لجماعات الضغط بناء تحالفات قوية ودائمة في مجلس الشيوخ. وهذا ما يسبب مشكلة كبيرة بالنسبة إلى إدارة أوباما.

إن أبرز المتعاطفين علانية مع وجهة النظر الأرمينية فيما يخص أحداث عام 1915 في واشنطن هم الرئيس باراك أوباما نفسه ونائبه جو بايدن ووزيرة الخارجية، هيلاي كلينتون. وهذا التعاطف سيجعل التعامل مع الغضب التركي على خلفية موقف مجلس النواب من القضية الأرمينية مسألة أكثر صعوبة من ذي قبل.

عندما وافقت لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب على القرار ذاته عام 2007، فإن إدارة الرئيس جورج بوش سارعت إلى إعلان أن القرار ليس الطريقة الصحيحة للتعامل مع القضية.

وكذلك، عملت الإدارة الأمريكية آنذاك على عدم عرض القضية على عموم مجلس النواب.

ويمكن للإدارة الأمريكية الحالية أن تعتمد على رئيسة مجلس النواب، نانسي بيلوسي، في عدم تفاقم الأمور داخل المجلس وإبقاء أي قرارات جديدة في الرفوف الخلفية للمجلس.

وهناك آراء تذهب إلى أن قرار اللجنة سيجد صعوبة في طرحه للنقاش على باقي النواب. لكن الإدارة الأمريكية ستكون ملزمة بالتعايش مع حقيقة أن الحكومة التركية تعي أن ثلاثة من أركان الإدارة يتعاطفون مع القضية الأرمينية.

الدولة التركية بتوجهاتها العلمانية ولو أن معظم الشعب يعتنق الإسلام كانت ولا تزال بالغة الأهمية منذ الخمسينيات من القرن الماضي بالنسبة للولايات المتحدة إذ كانت بمثابة حصن منيع ضد النفوذ السوفييتي خلال الحرب الباردة في إطار حلف شمال الأطلسي (الناتو).

ولا تزال تركيا مهمة في الوقت الحاضر بصفتها جسرا مهما نحو العالم الإسلامي ولا سيما فيما يخص النزاع في أفغانستان والبرنامج النووي الإيراني وكونها تجاور العراق أخذا في الاعتبار أنها تحتضن في أراضيها قاعدة أمريكية مهمة واستراتيجية في أنجليك.

لقد أعربت تركيا عن غضبها من قرار لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب واستدعت سفيرها من واشنطن للتشاور مثلما فعلت عندما وافقت اللجنة ذاتها على القرار نفسه عام 2007.

على المستوى النظري، لا تعدم تركيا بدائل من أجل الاحتجاج وإظهار غضبها لكن عمليا كل رد فعل يصدر عنها يبقى مجرد إجراء رمزي وذا تأثير محدود فقط.

أزمة دبلوماسية

Image caption سبق للبرلمان الفرنسي أن وافق على استخدام كلمة إبادة في توصيف ما حدث

لقد سبق للبرلمان الفرنسي خلال التسعينيات من القرن الماضي أن أعرب عن موافقته على استخدام كلمة إبادة في توصيف ما حدث. ورغم أن أزمة دبلوماسية نشبت بين البلدين، فإن الأمور لم تنته إلى طريق مسدود إذ بقيت تركيا وفرنسا شريكين تجاريين مهمين.

وكذلك، فإن تركيا تسعى لتحقيق أهداف استراتيجية واقتصادية مهمة من خلال نشدان العضوية في الاتحاد الأوروبي بدعم من الولايات المتحدة. لكن عندما لا تسير الأمور في الاتجاه الصحيح وتتعثر مسيرة تركيا نحو العضوية، فإن البلد لا يجد حرجا في إثارة غضب واشنطن.

ورغم أن القضية لا تزال طرية وتلقي بظلالها على العلاقات الراهنة بين الأرمن والأتراك، فإنها في الحقيقة تضرب بجذورها في صلب النزاعات الإثنية التي نشبت بين الشعبين والمرارات التي رافقت سقوط الدولة العثمانية.

وليس من السهل تصور مجازفة تركيا بإثارة حفيظة الولايات المتحدة من خلال عرقلة الانسحاب الأمريكي من العراق في السنة المقبلة انتقاما منها. ومن الحقائق الثابتة أن أسهل وآمن خيار أمام الولايات المتحدة لسحب قواتها من العراق هو عن طريق تركيا.

لو اختارت الحكومة التركية تصعيد خلافها مع واشنطن بجعل الانسحاب الأمريكي من العراق أكثر صعوبة، فإنها ستسلك قطعا طريقا صعبا.

وإذن من المرجح أن تختفي هذه القضية بسرعة من الأضواء الإعلامية لكن من الوارد أن تحتدم مرة أخرى عندما تطرح على بساط البحث في إحدى لجان الكونجرس.

الضرر الدائم لن يمس العلاقات بين أنقرة وواشنطن ولكن العلاقات بين تركيا وأرمينيا. إن محاولة إقامة علاقات دبلوماسية بين البلدين لم تكن أمرا ميسرا. وبالتأكيد، فإن التصعيد الأخير لن يساعد على ذلك. إن احتمال سعي البلدين لإقامة لجنة تاريخية مشتركة تحدد ما حصل بالضبط أصبح بعيد المنال وغير مؤكد.

الولايات المتحدة وتركيا يحتاجان إلى بعضهما البعض لكن تركيا وأرمينيا ليسا ملزمين بإقامة مصالح مشتركة تجمع بينهما.