ماضي تركيا وسيطرة القطاع العام يتبخر الان

تيكيل وحزب العدالة التركي
Image caption اطول احتجاج عمالي يواجه حكومة اردوغان

يتحلق كنعان ورفاقه حول موقد الحطب يفركون ايديهم للتخفيف من برد انقرة القارس وهم يحتسون الشاي.

كانوا غاضبين الى درجة تجعل من الصعب ان يتكلمون كل على حدة.

وقال كنعان: "رئيس وزرائنا هذا مجنون. انه بلطجي، لا يمكن ادارة دولة بهذه الطريقة".

كان الرجال السبعة في خيمة كنعان من عمال التبغ في ازمير.

ومن حولهم امتلأ شارع ساكاريا ـ السوق الرئيسية لوسط انقرة في الاحيان العادية ـ بخيام اخرى، كل واحدة من منطقة في تركيا.

وبدات الاحتجاجات في ديسمبر/كانون الاول عندما اعلنت الحكومة ان اكثر من 10 الاف عامل فيما تبقى من شركة التبغ الحكومية تيكيل سيفقدون وظائفهم.

ومعظم هؤلاء عمال يدويون في مراكز توزيع التبغ ، اذ تمت خصخصة مصانع التبغ المملوكة للدولة وبيعها لشركة التبغ الامريكية البريطانية قبل عامين.

وعرض على من تبقى من العمال وظائف بديلة في القطاع الحكومي لكن بعقود قصيرة الاجل بدون اي امتيازات وباجور اقل كثيرا من اجورهم.

ومع مشاركة الالاف في الاحتجاجات المستمرة في الشوارع يعد هذا اكبر اضطراب عمالي دائم يواجه حكومة رئيس الوزراء رجب طيب اردوغان منذ انتخابه للمرة الاولى عام 2002.

وتحدثت مجموعة من الرجال من اقليم باتمان جنوب شرق البلاد عما يعنيه ذلك بالنسبة لهم، وقال احدهم: "كان راتبي 1400 ليرة في الشهر".

واضاف: "وحسب العقد الجديد احصل على نصف هذا المبلغ فقط. ويعطوننا عقودا لمدة 11 شهرا فلا تعرف ابدا ان كنت ستظل تعمل العام المقبل ام لا. ولا نرى مستقبلا واضحا".

Image caption يبدو حزب العدالة اقرب لاقتصاد السوق منه الى غيره

وتقول الحكومة انه كرم منها ان توفر لهم هذا العمل، فنسبة البطالة في تركيا وصلت الى 14 في المئة وهناك ملايين الناس لا يتحصلون الا على اقل بكثير من الرواتب المعروضة على عمال التبغ.

يقول بولند جيديكلي، النائب في البرلمان عن حزب العدالة والتنمية الحاكم والمستشار الاقتصادي لرئيس الوزراء: "يجب الا تقوم الدولة بدور المدير ولا يجب ان تنخرط في التجارة او ادارة الشركات".

ويضيف: "يجب ان يكون دور الدولة تقديم الخدمات الاساسية، وكلمة اساسية مهمة في هذا السياق".

ويطرح حزب العدالة والتنمية، من مقره الجديد الزاهي المطل على مباني انقرة المقامة في ثلاثينات القرن الماضي، رؤية لتركيا مختلفة تماما عن تلك التي طرحها مؤسس الدولة كمال اتاتورك.

ويوصف الحزب عادة بانه اسلامي بسبب العادات الدينية المحافظة لزعمائه، لكنه في الواقع يستند الى منطق السوق بقدر ما يستند الى العقيدة.

ويشبه رئيس الوزراء اردوغان مارجريت تاتشر اكثر مما يشبه اية الله خميني.

ويقول البروفيسور برهان سناتلار، الاقتصادي في جامعة بيلجي باسطنبول: "حزب العدالة والتنمية مع السوق وضد سيطرة الدولة على الاعمال، ولديهم قناعة بان كل ما يفعله السوق صحيح وعادل وناجح".

ويضيف: "كما ان جانب العائدات مهم جدا لهم ايضا، فما بين الثمانينيات وعام 2008 وفرت الخصخصة 36 مليار دولار، 70 في المئة منها في فترة حكم العدالة والتنمية".

وساعد توجه حزب العدالة والتنمية على تحقيق نمو اقتصادي مبهر في العقد الاخير وادى الى بروز المئات من الشركات الخاصة الناجحة.

لكن في بلد سيطرت فيه الدولة على اغلب جوانب الحياة منذ تاسيس الدولة التركية قبل 87 عاما، يعد ذلك بمثابة الصدمة لكثير من الاتراك.

وحتى منتصف التسعينيات كانت الشركات الحكومية توظف اكثر من نصف مليون شخص، اي 20 في المئة من القوة العاملة.

ومن بين ما خضع لسيطرة وادارة الدولة صناعة التبغ والكحول ضمن الكيان الاحتكاري تيكيل، وبلغ عدد الموظفين في قطاع التبغ ـ الذي اصبح اكبر محصول زراعي في البلاد ـ 50 الف موظف في الثمانينيات.

الا ان الرقم تراجع بشدة بعدما باعت الحكومة المصانع لشركات عالمية كبرى.

وبعد ايام قليلة من زيارتي للمحتجين علقوا اعتصامهم يحدوهم الامل بالحصول على تنازلات اخرى من الحكومة.

ويقول كثير من العمال المضارين انهم صوتوا لحزب العدالة والتنمية، لكنهم لن يفعلوا ذلك ثانية.

وتبدو الايام التي كان ملايين الاتراك يتوقعون فيها ان ترعاهم الدولة قد ولت.