المصالح الروسية بين حماس وطهران

Image caption التقى الرئيس الروسي بمشعل اثناء زيارته لدمشق

إنْ زرتَ العاصمةَ الروسية في الوقت الراهن قادما من الشرق الأوسط سيصعب عليك تخمينُ أحوال الطقس فيها! وإنْ سألت أحد الموسكوفيين عن ذلك، ستدهشك الإجابة.

سيخبرك بأن سقوط المطر في الصباح لا يعني أن يومك سيكون مفعما بالبرودة، وأن إرتفاع درجة الحرارة ظهرا ليس مبررا لإرتداء قميصا خفيفا في المساء.

هكذا إذن هو الطقس في موسكو،لا ينافسه في التقلب سوى مواقف الكرملين السياسية التي تخلط أوراق المراقبين حينا وتصيبهم بالحيرة أحيانا، خاصة إذا تعلق الأمر بالصراع العربي الإسرائيلي، وبالملف النووي الإيراني.

وحدها القراءة المتأنية لما يجري من تفاعلات روسية بهذا الخصوص، تحمي من السقوط في شرك المفاهيم الهينة التي تقفز بإستعجال فور كل تطور، كأن يقال "موسكو تؤيد حركة حماس" أو "الروس ماضون في دعم طهران حتى النهاية" إلخ.

في الواقع ثمة ما يغري في تبني تلك المفاهيم، ذلك أن الخطوات الروسية على ساحة السياسة الدولية تذهب في كثير من المرات أبعد من المتوقع، والأمثلة عديدة أقربها الزيارة التي قام بها أخيرا الرئيس الروسي دميتري مدفيديف إلى سوريا ليس فقط لكونها المرة الأولى التي يصل فيها زعيمٌ روسي إلى دمشق، بل لأن برنامجها تضمن إجتماعا بين مدفيديف ورئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل بحضور الرئيس السوري بشار الأسد.

وكما كان متوقعا أثار هذا الإجتماع الذي عقد في أحد مطاعم العاصمة السورية ردود أفعال متباينة من الأطراف المعنية، وكان فرصة ليقرأ فيه كلُ طرف ما يريد.

إجتماع تاريخي

إعتبره قادة حماس إجتماعا تاريخيا وخطوة متقدمة على طريق كسر الحصار السياسي المفروض على حركتهم، ودليلا على فشل السياسة الأمريكية وأطراف الرباعية الدولية التي أرادت إقصاء حماس وحصارها حسب تعبير عزت الرشق ممثل الحركة في لبنان.

أما وسائل الإعلام الروسية فقد بدا اللقاء مفاجئا بالنسبة لها، من حيث التوقيت على الأقل.

فبالرغم من الزيارات الثلاث التي قام بها خالد مشعل إلى موسكو على مدى السنوات الأربع الماضية إلا أن لقاءاته هناك كانت على مستوى وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ومساعديه، ولم يحدث أن إجتمع مشعل في أي منها مع الرئيس الروسي، فضلا عن حالة الإستياء التي عبر عنها المسؤولون الروس في الآونة الأخيرة تجاه ما سموه عدم تجاوب حماس مع الجهود الدبلوماسية التي تبذلها موسكو لحل الأزمة في الشرق الأوسط.

ومع ذلك يسعى الكرملين طوال الوقت للتأكيد على موقفه إزاء حماس بإعتبارها تمثل قطاعا عريضا داخل المجتمع الفلسطيني، وهو ما ترجم الدعوة التي أطلقها الرئيس دميتري مدفيديف غداة لقائه مع خالد مشعل إلى عدم إستبعاد أي طرف من المفاوضات في الشرق الأوسط، في إشارة واضحة إلى حركة حماس.

إستياء إسرائيلي

وبعيدا عن عنصر المفاجأة الذي خلفه لقاء مدفيديف – مشعل أبرزت مواقع إلكترونية روسية تتعاطف مع إسرائيل الخبر تحت عنوان ( الرئيس الروسي يجتمع مع زعيم منظمة حماس الإرهابية). هكذا كتب موقع ( نيوز رو)، الذي نقل إستياء محللين سياسيين إعتبروا أن تل أبيب وقفت إلى جانب موسكو في حربها ضد ( الإرهابيين الشيشان) وأن الإسرائيليين يستحقون موقفا روسيا مماثلا.

لكن وسائل الإعلام القريبة من الكرملين ركزت على بيان الخارجية الروسية الذي أشار إلى إتصالات يجريها أعضاء في الرباعية الدولية مع حماس، بيد أن الخجل يمنعهم من إعلان ذلك حسبما جاء في البيان.

كما أن صحفا روسية أخرى أشارت إلى أن مدفيديف مارس ضغوطا شديدة على خالد مشعل لتفرج حماس عن الجندي الإسرائيلي الأسير في قطاع غزة جلعاد شاليط، وأن طموح موسكو للعب دور مؤثر في حل هذه القضية بلا حدود.

ورقة حماس

تدرك روسيا جيدا أن مساحة التحرك لدبلوماسيتها في عملية السلام الشرق أوسطية مرهونة بما تسمح به الولايات المتحدة، اللاعب الأكبر. وفي ظل فشل المساعي الروسية للعام الثالث على التوالي في تسويق فكرة عقد مؤتمر موسكو للسلام في الشرق الأوسط، بسبب الرفض الإسرائيلي والتمنع الأمريكي، لا مفر إذن من إستخدام ورقة حماس بحد أقصى ،إذ تنفرد موسكو بكونها عضو الرباعية الدولية الوحيد الذي يمتلك علاقات مع حماس على الأقل بصورة علنية، ومن ثم يحاول الكرملين اللعب بتلك الورقة، بشكل متواز مع تنمية علاقاته بإسرائيل التي يعيش فيها أكثر من مليون يهودي من ذوي أصول الروسية.

وربما من هذا المنطلق وجه مدفيديف أثناء وجوده في سوريا إنتقادات إلى واشنطن معتبرا أنها "لا تفعل ما يكفي لدفع الأمور إلى الأمام وتحريك عملية السلام" ومشددا على أن موسكو "لن تقف مكتوفة الأيدي أمام الأوضاع التي تزداد توترا وتنذر بإنفجار جديد أو كارثة."

المقايضة بإيران؟

لكن السؤال ما الذي يمكن أن يقدمه الروس للأمريكيين مقابل السماح لموسكو بدور أكثر تأثيرا في الشرق الأوسط؟ قد تكون الإجابة مجرد كلمة واحدة: إيران.

وتفسير ذلك أن الموقف الروسي الذي إعتبره كثيرون داعما في مجمله لطهران، قد يتبدل بشكل دراماتيكي ليقف على النقيض تماما.

في فترة ما كان من المفيد لموسكو المشاركة في لعبة القط والفأر بين الإيرانيين من جهة والأمريكيين والأوروبيين من جهة ثانية. وكان الدور الروسي في تلك اللعبة ينحصر في عدم السماح بوصولها إلى خط النهاية، ذلك أن الكرملين كان يقف على مسافة متساوية من الطرفين.

فطهران بالنسبة له من أكبر مستوردي السلاح الروسي في العالم، ومشاريع بناء محطات نووية سلمية في إيران تَعِدُ الخزانةَ الروسيةَ بمليارات الدولارات.

وفي المقابل يوقن الروس بأن إمتلاك الإيرانيين سلاحا نوويا يهدد الأمن القومي الروسي، بسبب القرب الجغرافي على الأقل، كما أن وصول باراك أوباما إلى الحكم أشاع جوا من الثقة لدى موسكو تجاه واشنطن مقارنة بعهد الرئيس السابق جورج دبليو بوش، وبالتالي تبدو الظروف مهيأة كي تتقلص مساحة الإختلاف والتناقضات بين البلدين.

لم تفلح موسكو في إخفاء شعورها بخيبة الأمل حين رفض الإيرانيون مقترحها بتخصيب اليورانيوم على الأراضي الروسية، ومع ذلك لم يُشحْ الكرملين بوجهه عن إيران.

ظل الحال هكذا إلى أن بدأ القادة الروس أخيرا في إستخدام لهجة أكثر تشددا تجاه طهران.

ففي شهر أبريل الماضي ندد الرئيس مدفيديف بما سماه سلوك إيران غير المسؤول تجاه برنامجها النووي، ودعا إلى عدم إستبعاد خيار فرض العقوبات عليها! لكن الرئيس الروسي شدد في الوقت ذاته على أن توجيه إسرائيل ضربة عسكرية إلى إيران سيشكل أسوأ سيناريو وسيقود إلى إستخدام أسلحة نووية وبالتالي وقوع كارثة عالمية حسب قوله!

شيئا فشيئا تبدو موسكو في الوقت الراهن مهيأة للوقوف بقوة خلف مساعي واشنطن الرامية إلى إقرار عقوبات جديدة من مجلس الأمن الدولي ضد إيران، حتى أن مدفيديف لا يكترث بإستخدام لهجة متشائمة إزاء إمكانية قبول إيران مقترح تبادل الوقود النووي الذي تحاول تركيا والبرازيل تسويقه.

وقف الرئيس الروسي في موسكو بجوار الرئيس البرازيلي (لولا دا سيليفا) الذي يستعد لزيارة طهران قائلا: "قد تمثل تلك الزيارة الفرصة الأخيرة قبل تبني فرض عقوبات على طهران..من الصعب على لولا دا سيلفيا إنتزاع تسوية .. أتوقع النجاح بنسبة 30 في المئة!"

وسط ذلك كله لا ضمانا من وقوع تطورات ما في المنطقة، قد تخلط حسابات حسابات الكرملين وتربك قادته سواء تعلق الأمر بالصراع العربي الإسرائيلي أو بملف إيران النووي.