قتل الحقيقة في كشمير

كشمير
Image caption كشميرية تلتمس من ضابط هندي اطلاق سراح ولدها

اثناء الاحتجاجات الدموية التي شهدها اقليم كشمير الخاضع للسيطرة الهندية مؤخرا، والتي راح ضحيتها اكثر من مئة قتيل، تعرض الصحفيون الكشميريون المحليون للضرب والملاحقة لمنعهم من تغطية الاحداث.

يروي سجاد حيدر، الذي يرأس تحرير احدى الصحف في سريناغار عاصمة الاقليم، قصة الصحفيين والصعوبات التي يواجهونها وهم يحاولون تغطية مقتل ابناء جلدتهم ابان الصدامات التي شهدها الاقليم بين المحتجين المناوئين للحكم الهندي من جهة وقوات الجيش والشرطة الهندية من جهة اخرى.

اضطر صحفي كشميري يعمل لصالح بي بي سي الى تبديل الاذن الوردي الخاص بالصحفيين الذي يتيح له التجول اثناء فترات الحظر بآخر مخصص للصحفيين الذين يغطون حفلات الاعراس من اجل ان يتمكن من الوصول الى داري في سريناغار اثناء فترة حظر التجول.

فقد قال له ضابط شرطة متعاطف إن هذا هو السبيل الامثل لتفادي غضب رجال الشرطة الذين يفرضون الحظر في شوارع عاصمة الاقليم.

تختلف هذه المعاملة التي يلقاها الصحفيون المحليون على ايدي رجال الامن الهنود اختلافا جذريا عن تلك التي يلقاها الصحفيون الزائرون.

فهؤلاء، الذين اصبح سكان سريناغار يطلقون عليهم اسم "الصحفيون المزروعون"، يحصلون على تعاون الحكومة المحلية الكامل في التنقل بحرية في كل ارجاء كشمير. اما الصحفيون المحليون الذين يحاولون تغطية الاحتجاجات، ويعيشون وسطها ايضا، فيمنعون من التنقل اثناء فترات حظر التجول كما سحبت بطاقاتهم الصحفية.

وقالت الجمعية الصحفية الكشميرية مؤخرا إن هذه المعاملة التي يلقاها الصحفيون الكشميريون ترقى الى "حظر غير مكتوب" مفروض على الصحافة المحلية، واتهمت الجمعية الحكومة بممارسة التمييز قائلة إن "العشرات من الصحفيين تعرضوا للضرب اثناء ادائهم لواجباتهم المهنية."

وقد اضطر رئيس الحكومة المحلية عمر عبد الله الى الاعتذار بعد ذلك بقليل عندما تعرض صحفي محلي معروف الى الضرب على ايدي رجال الشرطة. واعلن عن اجراء تحقيق في ذلك الحادث، ولكن الوعود والاعتذارات ليست بالشيء الجديد في كشمير.

فالحقيقة التي لا يرقى اليها شك ان اوضاع الصحفيين في كشمير لم تتغير قيد انملة.

Image caption منظر لبحيرة دال في كشمير

فالصحفيون الذين يعملون في الصحف الكشميرية المحلية هم اشخاص استثنائيون يعملون في ظروف استثنائية دون اية ضمانات او حماية لا من الصحف التي يعملون لديها ولا من الدولة.

فصيحات "آزادي" (الحرية) ترن في آذانهم حتى وهم نيام.

ففي الحادي عشر من يونيو / حزيران الماضين اندلعت احتجاجات صاخبة في سريناغار بعد مقتل صبي يبلغ من العمر 17 عاما اثر اصابته بعبوة غاز مسيل للدموع اطلقتها الشرطة في احد احياء البلدة القديمة. وبعد مرور شهر واحد على تلك الحادثة، انضم الصحفيون الى الاحتجاجات المطالبة بالحرية.

لقد شهد اقليم كشمير اعمال قتل كثيرة في السابق، فما الذي تغير هذه المرة وسبب هذه الاحتجاجات الواسعة؟ الحقيقة هي ان شخصين قتلا في الحادي عشر من يونيو، وليس شخصا واحدا فقط.

فبعد وفاة الصبي، حاولت الشرطة اتهام الكشميريين الذين نقلوه الى المستشفى لينقذوا حياته بقتله. فالشرطة قتلت الصبي اولا، ثم قتلت الحقيقة.

العامل المساعد الحقيقي الذي ادى الى تصاعد العنف في كشمير لم يكن مقتل الصبي، بل مقتل الحقيقة. فما من شك ان الوضع الراهن هو استمرار للاحداث التي شهدها الاقليم في السنوات العشرين الماضية.

لم يكن الوضع يحتاج الا الى شرارة لينفجر. فالاحتجاجات كانت تعبير عن توق الكشميريين للتحرر من الوضع الخانق الذي يعيشون فيه. اما السؤال، فهو الى اي مدى نجح الاعلام الكشميري في التعبير عن تطلعات الشعب.

الحقيقة المرة هي ان هذا الاعلام لم يحصل على الحرية الكاملة رغم التقدم الذي احرزه في السنوات العشرين الماضية.

فثمة عوامل تقوض حرية الاعلام في الاقليم، منها غياب النشاط التجاري الخاص في كشمير، واعتماد الصحف على الاعلانات الحكومية، واحتكار الحكومة لتدفق المعلومات، والخوف من انتقام السلطات.

ولذا تعمد الصحف الى اختصار التقارير الاخبارية من اجل فسح المجال لنشر الدعاية الحكومية.

فعلى سبيل المثال، كذبت الشرطة في الرابع والعشرين من سبتمبر / ايلول الماضي التقارير الصحفية التي تحدثت عن اصابة الفي شخص على ايدي الشرطة والجيش خلال الاحتجاجات التي دامت 105 ايام.

وقال ناطق باسم الشرطة إن العدد الحقيقي للمصابين لم يتجاوز 504، بينما ادعى بأن اربعة آلاف من رجال الشرطة اصيبوا في الفترة ذاتها.

ولكن سجلات مستشفى واحد من مستشفيات سريناغار تكشف بأن 599 مصاب باطلاقات نارية ادخلوا اليه خلال هذه الفترة. وهناك العشرات من المستشفيات الاخرى في الاقليم استقبلت كلها مصابين.

توجد في كشمير اليوم حوالي 25 قناة اخبارية تلفزيونية، ليس من بينها قناة كشميرية واحدة. فالاعلام المحلي محدود بالصحف وبحفنة من القنوات التلفزيونية التي توزع بالكيبل.

اضافة لذلك، تبدو الحكومة وكأنها مصابة بالهلع ازاء ما تبقى للصحفيين من حرية.

فاذونات التجول تمنح للصحفيين المعتمدين فقط، حيث لا تعترف السلطات بالصحفيين غير المعتمدين الذين يشكلون الاغلبية الساحقة من الصحفيين في كشمير. فالشروط التعجيزية التي وضعتها السلطات للحصول على الاعتماد الرسمي يجعل من المستحيل على الصحفيين المحليين الحصول عليه.

ثم كيف يمكن للصحف ان تنتشر اذا كانت هناك قيود مشددة على تنقل الافراد؟

ليست القيود الحكومية وحدها المسؤولة عن انحدار الصحافة، فالصحف الصادرة في سريناغار اضطرت الى الاحتجاب بسبب غياب الاعلانات.

فالحقيقة هي ان الصحف التي تعتمد اعتمادا كبيرا على الاعلانات الحكومية تواجه خسائر فادحة واضطرت العديد منها الى فصل موظفيها.

كثير من الصحف تقف على حافة الافلاس بسبب غياب الاعلانات نتيجة الاحتجاجات المستمرة، مما يجعل من مهمة الوفاء بتطلعات الشعب الذي يشعر بخذلان الاعلام له اكثر صعوبة.