هل تعمد تشرتشل تجويع الهنود؟

  • سوتيك بيسواس
  • بي بي سي - الهند
تشرتشل
التعليق على الصورة،

قضى اكثر من ثلاثة ملايين هندي نحبهم في المجاعة

الزمان: 1943، في اوج الحرب العالمية الثانية. المكان: لندن.

كانت وزارة الحرب البريطانية ملتئمة لمناقشة المجاعة التي كانت تعصف آنذاك بالهند، حيث كان الملايين من الهنود، وخصوصا في اقليم البنغال الشرقي، يموتون جوعا.

وكان ليوبولد ايمري، وزير الدولة لشؤون الهند، والمارشال السير ارشيبالد ويفل، الذي عين فيما بعد مندوبا ساميا في الهند، يناقشان كيفية ارسال المزيد من المساعدات الغذائية الى الهند - ولكن جهودهما كانت تصطدم برفض رئيس الحكومة ونستون تشيرتشل.

وقال ويفل في معرض تطرقه لهذه الاجتماعات: "يبدو ان انقاذ اليونانيين وشعوب البلدان المحررة الاخرى اكثر اهمية من إطعام الهنود، فهناك تردد واضح في توفير المواد الغذائية لهذه المستعمرة كما في خفض مستوى المخزون الغذائي هنا في هذا البلد."

اما ايمري، فكان اكثر صراحة إذ قال: "قد يكون ونستون (تشرتشل) مصيبا في قوله إن تجويع البنغاليين الجياع اصلا ليس بخطورة تجويع اليونانيين الاصحاء، ولكنه لا يعير المسؤولية التي تتحملها بريطانيا عن الهند كونها القوة المستعمرة اي اهتمام."

قضى اكثر من ثلاثة ملايين هندي في المجاعة التي اجتاحت البلاد عام 1943، معظمهم في البنغال.

وفي كتاب صدر حديثا للصحفية الهندية مادوسري مكرجي بعنوان "حرب تشرتشل السرية"، تلقي المؤلفة بالمسؤولية عن واحدة من اسوأ المجاعات التي شهدتها الهند في تاريخها على عاتق رئيس الوزراء البريطاني الشهير.

تخطى البودكاست وواصل القراءة
البودكاست
تغيير بسيط (A Simple Change)

تغيير بسيط: ما علاقة سلة مشترياتك بتغير المناخ؟

الحلقات

البودكاست نهاية

ويعد الكتاب دراسة مؤثرة بقدر ما هي اكاديمية لما قد يعتبر اكثر الفصول اثارة للخجل في سفر الامبراطورية البريطانية.

وتقول مكرجي في كتابها إن شح المواد الغذائية في الهند آنذاك كان نتيجة استحواذ البريطانيين عليها وتصديرها الى بلادهم والى سوح الحرب المختلفة. وكانت الهند قد صدرت اكثر من سبعين الف طن من الرز الى بريطانيا في الفترة المحصورة بين يناير / كانون الثاني 1943 واغسطس / آب من العام نفسه، وذلك رغم المجاعة التي كانت بوادرها قد ظهرت في ذلك الحين.

وكانت هذه الكمية من الرز تكفي لابقاء اكثر من 400 الف هندي على قيد الحياة لمدة سنة كاملة.

الا ان تشرتشل رفض الطلبات المتكررة بارسال المواد الغذائية الى الهند متعللا بقلة عدد السفن المتوفرة لذلك، بالرغم من وفرة السفن الاسترالية - على سبيل المثال - التي كانت تمر في المياه الهندية في طريقها الى اوروبا وهي محملة بالقمح.

وقد ادى شح المواد الغذائية في الهند الى ارتفاع اسعارها بشكل مريع.

كما اعتمد تشرتشل سياسة ارض محروقة في المناطق الساحلية في البنغال، حيث كان المستعمرون البريطانيون يخشون غزوا يابانيا. فقد قاموا بمصادرة الزوارق التي كان يعتمد عليها السكان في صيد الاسماك، وصادروا واتلفوا ما عثروا عليه من مخزون الرز.

التعليق على الصورة،

لم يخف تشرتشل احتقاره للهند

وتصف مكرجي في كتابها مشاهد مروعة لمعاناة الشعب البنغالي في تلك الحقبة من خلال الشهادات التي ادلى بها الناجون. فقد عمد البعض منهم الى الالقاء بابنائهم في الانهر والآبار، بينما انتحر العديد منهم بالقاء انفسهم امام القطارات. وكان الاطفال يقتاتون على اوراق الاشجار والحشائش، بينما اضطرت الكثير من النسوة الى امتهان البغاء من اجل اطعام اطفالهن. وبلغت الحالة من السوء بحيث تعذر على الكثير من البنغاليين حتى احراق جثث موتاهم التي اصبحت طعاما للكلاب والضباع.

وقد هاجر العديد من البنغاليين آنذاك الى مدينة كلكتا سعيا وراء الرزق.

تقول مكرجي في كتابها إن المجاعة "حولت الامهات الى قاتلات، والقرويات الجميلات الى عاهرات، والآباء الى قوادين على بناتهم."

ولم تنته المجاعة الا عندما تمكن الناجون من جني محصول الرز اواخر تلك السنة. ولم تصل المعونات الغذائية الى محتاجيها الا في شهر نوفمبر / تشرين الثاني، اي بعد ما قضى مئات الالوف جوعا.

وفي الفترة نفسه، كانت بريطانيا قد كدست 18,5 مليون طنا من المواد الغذائية لسكانها الذين كان عددهم اقل من سكان البنغال.

وتقول مكرجي في كتابها إنه "في نهاية المطاف، لم تكن العنصرية لتفسر السبب الذي حدا بالبريطانيين الى غض الطرف عن المجاعة في الهند بينما لم يكن بوسعهم حتى التفكير في تقنين الخبز على مواطنيهم، بل كان السبب الرئيسي هو اختلال موازين القوى المتأصل في الهرم الاجتماعي الدارويني."

يعتبر كتاب مكرجي مرجعا لابد للمدافعين عن النظام الاستعماري ان يقرأوه. فهو يشرح الطبيعة الاستغلالية للاستعمار، وفي هذه الحالة تحديدا يبين كيف تمكن تشرتشل - الذي لم يخف يوما احتقاره وازدرائه للهند والهنود - من جعل هذه الطبيعة اسوأ مما كانت اصلا.