فاتسلاف هافيل: رحلة وجيزة من مسرح العبث الى مسرح السياسة

فاتسلاف هافل مصدر الصورة Reuters
Image caption هافل قال مرارا انه زاهد في السلطة، ثم اعتلى قمتها

في أوروبا الشرقية هناك تقليد راسخ لانتقال أهل الأدب والفن من خندق الإبداع الى حلبة الصراع، من عالم الجمال والخيال بفضاءات الحرية التي يتيحها الى عالم السياسة المحسوبة كل خطوة فيه.

من الروسي ألكسندر سولجنتسن صاحب "أرخبيل الغولاغ" ومواطنه بوريس باسترناك مؤلف "دكتور جيفاغو" إلى الكاتب المجري ارباد غوننتس (الذي أصبح بدوره أول رئيس جمهورية منتخب ديمقراطيا في المجر) وفاتسلاف هافيل في تشيكوسلوفاكيا (التي انقسمت في عهد توليه رئاسة الجمهورية فيها الى جمهورية التشيك وجمهورية سلوفاكيا).

بعضهم وضع قدمه على أرض السياسة المضطربة دون أن يقصد، ولكن الحرب الباردة كانت تعني أن لنهر السياسة ضفتين، فاذا غادرت إحداهما، ستجد نفسك على الضفة الأخرى مهما فعلت.

هكذا تلقف الغرب رواية باسترناك وأنتج منها فيلما ضخما لعب بطولته عمر الشريف، وترجم رواية سولجنتسن الى عدة لغات، جاعلا من الكاتبين "بطلين" سلطت عليهما الأضواء.

سولجنتسين غادر الاتحاد السوفياتي الى الولايات المتحدة، حيث نعم بالأضواء في البداية، ثم، خبت الأضواء من حوله وربما في داخله، حيث لم يبدع عملا أدبيا يذكر بعد تلك المرحلة، بل تحول الى انتقاد الغرب بمرارة وتبرم من تحويله الى نجم تلفزيوني وفرض قوانين لعبة الإعلام عليه، وعاش حالة من الاغتراب حتى عن اللغة الانجليزية التي لم يصل الى الطلاقة فيها رغم السنوات الطويلة التي قضاها في الولايات المتحدة.

أما باسترناك فقد رفض جائزة نوبل التي منحت له عن روايته، وقيل وقتها إنه فعل ذلك بضغط من الاستخبارات السوفياتية (الكي جي بي)، ولكن قيل أيضا، وإن بصوت لم يصل على ما يبدو إلى أسماع وسائل الإعلام الغربية، إنه لم يرد أن يستخدم أدبه إعلاميا في الحرب الباردة.

غونتس ارباد مارس المعارضة السياسية والأدب، ولكنه تمكن من الاحتفاظ بتوازنه بين المتطلبات والمستلزمات المتناقضة لهذين العنصرين، وحين وصل الى منصب الرئاسة في بلده عام 1990 بقي يحتفظ بروح الفنان المرهفة في سلوكه السياسي.

أما فاتسلاف هافيل فله قصة مختلفة.

عبث الأدب وعبث السياسة

عرضت أول مسرحية طويلة لهافل على المسرح بعنوان "حفلة في الحديقة"، عام 1963، وهي تنتمي الى "مسرح العبث"، وفي عام 1989 انتخب رئيسا لجمهورية تشيكوسلوفاكيا في لفتة لم تفتقر الى ملامح العبث، فهاهو ينتقل من موقع "النضال ضد السلطة" إلى أعلى هرمها.

هافيل، الكاتب المسرحي، أصبح ناشطا سياسيا معارضا، ودخل السجن أكثر من مرة ليقيم فيه أكثر من أربع سنوات في إحداها بسبب نشاطه السياسي.

بلغ نشاطه ذروته عقب غزو قوات حلف وارسو لتشيكوسلوفاكيا في "ربيع براغ"، ثم في مشاركته في صياغة الوثيقة التي سميت "ميثاق 77" احتجاجا على قمع الحريات، وساهم في تأسيس "لجنة الدفاع عن المضطهدين" عام 1979.

أهم أعماله الأدبية حفلة في الحديقة (1963)المهلة (1968)الرحيل (2008)الخنزير

لكن نشاط هافل السياسي لم يكن سعيا الى السلطة، كما قال مرارا، إلا أن التقدير الذي حظي به ذلك النشاط توج بوضعه على قمة هرم تلك السلطة.

هافيل الذي لم يثر الجدل لا ككاتب ولا كناشط سياسي (باستثناء غضب النظام عليه)، أثار جدلا في بلاده بسبب خطوات اتخذها كرئيس للدولة، منها العفو العام عن سجناء، حيث قال منتقدو قراره انه "ساهم في زيادة معدل الجريمة".

لم يكن هافل متحمسا لانفصال سلوفاكيا، وساهم في تشجيع اقامة فيدرالية معها بعد الانفصال، لكن سلوفاكيا لم تكافئه على ذلك، ففي فترة رئاسته الثانية أصبح رئيسا لجمهورية التشيك فقط لأن البرلمان الفيدرالي لم ينتخبه.

وهافل الذي اعتبر حل حلف وارسو من أهم إنجازاته لم يستطع تجاهل النتائج الكارثية لذلك على اقتصاد بلاده، فالبنية التحتية لذلك الحلف كانت جزءا من النسيج العضوي لاقتصاد البلاد.

هذه أمثلة قليلة من أكثر من مأزق فلسفي تعرض له الأديب والمناضل السياسي الذي أصبح في خندق السلطة، ففي عالم الفن يتسع الفضاء لطيف واسع من الأفكار والمواقف، أما في عالم السياسة، في موقع السلطة، فأمام الفنان المرهف خياران: إما فقدان جزء من حساسيته للألوان مقتربا من ثنائية الأبيض والأسود، أو العيش في مأزق فلسفي دائم.